بيانات صحفية

في اليوم العالمي لمكافحة الفساد، مازال الفساد وباءا في مصر

احتفل  العالم بالأمس،  التاسع من ديسمبر م باليوم العالمي لمكافحة الفساد،  وذلك بمناسبة الانتهاء من التفاوض حول اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد بنهاية عام 2003. ويأتي هذا اليوم مذكرا العالم بانتشار الفساد في العديد من الدول، وآثاره السلبية على قدرة الدول القيام بدورها التنموي وتوفير الخدمات للمواطنين، ومن ثم تأثير الفساد على تمتع المواطنين بحقوقهم.

[divide]

وفي مصر، يأتي هذا اليوم وسط خلافات حول مدى انتشار الفساد في مصر، حيث أصر البعض أن مصر تشهد ثم تحسنا في مؤشرات الفساد، وعبر البعض الآخر أن المصريين لم يروا أي مؤشرات حقيقية لتحسن الوضع من حيث انتشار الفساد، مشيرين الى ان الفساد تجربة يومية لكل المصريين. وبالرغم من أن البعض ركزو ا جهودهم على التأكيد ان مصر “ليست الأكثر فسادا”، الا أن كارثة الفساد في مصر ليست مسألة سباق حول من الأكثر ومن الأقل فسادا، ولا هي أزمة شكلية، يتم حلها عندما تعلن احدى المنظمات الدولية عن تحسن مؤشر مصر (الذي لا يظل في القاع مقارنة بدول أخرى). مشكلة الفساد هي مشكلة كل المصريين، ليس فقط من جانب أن المصرين مضطرون لدفع بعض المبالغ المالية لنهاء اجراءات بيروقراطية أو للهرب من عقوبات مرورية ومخالفات أخرى، بل المشكلة الأكبر في الفساد هو أن انتشاره يمكن ترجمته الى واقعين تعاني منهما مصر: أولا، أن الفساد يتسبب في ضياع المال العام، وهو مال المصريين الذي يستخدم للإنفاق العام على الصحة والتعليم والضمان الاجتماعي وغيرها. وثانيا، أن من أهم أشكاليات الفساد في الدولة هو ما يسمى بالسيطرة على الفساد، وهو ما يعني مدى استغلال من في السلطة لنفوذهم من أجل مصالح خاصة أو نخب معينة، وهو ما يشكل أزمة في نظام الحكم بشكل عام، حيث يتجه نظام الحكم لحماية مصالح الأغنياء، وتجاهل باقي الفئات على أقل تقدير، ان لم يكن تهميشهم بشكل مباشر من خلال السياسات التقشفية مثلا..

مؤشرات وتقارير الفساد:

مصر أفضل من ثلث الدول، وأسوأ من الثلثين

مؤشر مدركات الفساد 2014، عن منظمة الشفافية العالمية
مؤشر مدركات الفساد 2014، عن منظمة الشفافية العالمية )اضغط الصورة للتكبير)

احتلت مصر  هذا العام المركز 94 في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية العالمية، وهو المؤشر المعني بتقييم البلدان حسب رؤية وادراك أصحاب المصلحة في هذا البلد لمدى تغلغل الفساد في عام واحد، وذلك باستخدام مسوحات مختلفة لخبراء وأصحاب الأعمال. ويقاس المؤشر من 0 الى 100، و0 تعني “شديد الفساد” بينما يرمز الاقتراب من 100 الى أن الدولة خالية من الفساد، أو ما تسميه منظمة الشفافية الدولية “شديد النظافة”. وبعد تقييم كل دولة بدرجة من 100، يتم ترتيب الدول حسب اقتراب درجاتهم من 100، أي حسب اقتراب الدولة من “شديد النظافة”. ومن هنا، جاءت درجة مصر 32 من 100 في عام 2013، ووضعها ذلك في ترتيب الدولة ال،114 من حيث النظافة أو خلو نظامها من الفساد، بمعنى أن هناك 113 دولة أقل فسادا من مصر، أو أكثر “نظافة”. وفي عام 2014، جاء المسح ليقرر أرتفاع درجة مصر لـ37 من 100، وهو ما أعاد ترتيبها الى الدولة الـ 94، بمعنى أن هناك 93 دولة أقل فسادا.  وبالرغم من أن مؤشر مصر قد تحسن عن العام الماضي بالنسبة للترتيب وبالنسبة للدرجات، ولكن هذا لا يعني أن الفساد قد تم تقويضه أو البدء حتى في محاربته في مصر. حيث أن الترتيب لا يعتمد على أداء مصر فقط، بل يعتمد على أداء الدول الأخرى. فتونس، على سبيل المثال، شهدت تدهورا -ضئيلا- في مؤشر الفساد، مما يعني أنها تركت ترتيبها لدولة أخرى، كما أن دولة الصرب مثلا من الدولة الـ72 الى الدولة الـ78 أقل فسادا، بالرغم من أن درجاتها انخفضت من بدرجة واحدة بين عامي 2013 و2014، من 42 الى 41 من الـ 100. ,اخيرا، فالمؤشر يقيس المدركات والرؤى، وهكذا، فمن المتوقع أن أي زيادة في ثقة مجتمع الأعمال في الدولة المصري ستترجم الى ثقة (قد تكون سابقة لأوانها) في أن الفساد سيقل. ,اخيرا، مهما كان ارتفاع ترتيب مصر، فهو مازال يضع مصر ضمن الدول الأكثر فسادا، مدرجا مصر ضمن مجموعة درجات الـ30-39، وهو ما يبقى على مصر في دائرة الخطر من حيث انتشار الفساد. وأخيرا، تؤكد أحدى الإحصائيات أن 40% من الشركات اضطرت في وقت ما لدفع رشاوي أو “هدايا” للحصول على تراخيص وأوراق (CIPE 2009).

وبالرغم من أن المؤشرات لا تروي أبدا حقيقة الوضع في أي دولة، الا أن المؤشرات تظل وسيلة للمقارنة بين الدول، وبين تقدم (أو تدهور) وضع دولة واحدة على مدار السنوات، كما أنه وسيلة للوصول للرأي العام برسالة واضحة غير معقدة عن الوضع الاقتصادي في مصر، ودرجة انتشار الفساد.  ومن هنا نذكر أن مؤشر منظمة الشفافية الدولية لـ”السيطرة على الفساد” يضع مصر ضمن ترتيب الـ 37%، بمعنى أن الوضع في مصر أفضل من ثلث  دول العالم، وأسوأ من ثلثي من دول العالم، من حيث استغلال السلطة والنفوذ للمصالح الشخصية. كما أن أداء مصر في مؤشرات أخرى مثل مؤشر البنك الدولي للحكم الرشيد ليس أحسن حالا، فالبنك الدولي وضع مصر في ترتيبات منخفضة في عدة مؤشرات لدور القانون، الرقابة التشريعية ومدى فعالية الحكومة.

وأخيرا، يأتي تقرير يأتي تقرير ارنست أند يونج، وهي من أكبر شركات الخدمات المحاسبية والمالية والتي لها أعمال عديدة في مصر، للكشف عن انتشار الفساد والاحتيال في البيانات المالية، وانتشار ظاهرة الرشوة في مصر، وذلك بناء على آراء عدد من أصحاب الأعمال ومديري الشركات في مصر الذين قامت ارنست اند يونج بسؤالهم. ويأتي “التقرير الثالث عشر الدولي للاحتيال”الصادر عن ارنست اند يونج ليؤكد من خلال المقابلات التي أجراها أن مدركات الاحتيال في مصر في مجال الأعمال حوالي 44%، كما أن نسبة من يظنون أن الفساد منتشر في مصر حوالي 80% من العينة المستخدمة. وبالرغم من أن التقرير قد تم انتقاده بسبب صغر العينة المستجوبة، الا أن مركزية مصر، ومركزية النظام الاداري ومناخ الأعمال في القاهرة يظلون شفيعا لأن شركة ارنست اند يونج اكتفت بمسوح محدودة مقارنة بحجم مصر.

مصر صدقت على اتفاقية مكافحة الفساد، ومازال التطبيق بعيدا

وبعيدا عن المؤشرات المختلفة، يأتي اليوم العالمي لمكافحة الفساد في وقت شديد الحرج تشهد فيه مصر تقنينا للفساد:

فمصر هي أحد البلاد المصدقة على اتفاقية الامم المتحدة لمكافحة الفساد، التي تعنى بتفاصيل محاربة الفساد،وتنص الأتفاقية على العديد من البنود و على رأسها الإجراءات الوقائية، مثل اختيار الموظفيين العموميين وتدريبهم وتأهيلهم  وضمان تناوبهم للمناصب، وتقديم اجور منصفة، وذلك لأن انخفاض الأجور من أهم حوافز قبول الرشاوى واتعد من اسباب نتشار الفساد، ثم تنص الاتفاقية على قواعد تحكم إدارة الاموال العامة والموازنة الوطنية، ثم تنص على اعمال الشفافية بصفة حقيقية بأعتماد  قنوات كافية وفعالة للمواطنين للإبلاغ عن الفساد مع توفير الحماية الجادة للمبلغين والخبراء والضحايا في قضايا الفساد، وتشريع قوانين وطنية لمكافحة الفساد، وتكوين هيئات قومية لمكافحة الفساد، ثم تشرع الإتفاقية في توضيح العديد من جرائم الفساد مثل جرائم استغلال النفوذ وصلاحيات الوظيفة، والإختلاس، والرشوة، وغسيل الأموال، والإثراء غير المشروع، وإعاقة سير العدالة، وتوضح كيفية ضمان تنفيذ اجراءات الملاحقة والتحقيق والعقوبة لمن يثبت شروعه في أي من جرائم الفساد.

مصر: تقنين للفساد، ومصالحة مع الجرائم، وتجاهل للأحكام

لكن رغم تصديق مصر على هذه الإتفاقية، مازال التطبيق الفعال لهذه السياسات والإجراءا ت قاصرا للغاية، بل بالعكس، تستمر مصر في اجراءات من شأنها “اخفاء الفساد” وتقنق حصانة من يمارس الفساد في مصر. فالمركز المصري يخوض مع الكثير من الأفراد والهيئات معركة قانونية طويلة مع محاولات تقنين الفساد، وعلى رأسها معركة دستورية يخوضها المركز ضد قانون تحصين العقود الفاسدة، قانون رقم 32 لعام 2014، وهو القانون الذي أصدره الرئيس المؤقت عدلي منصور في 2014، وذلك لمنع أي طرف خارج عن الدولة والمستثمر من الطعن في فساد أي تعاقدات أو قرارات تخصيص أو بيع تقوم بها الدولة، وهو ما يمنع المواطنين من أهم قنوات كشف الفساد، وهي التقاضي من خلال القضاء المصري، والتي استخدما المواطنون والعمال وغيرهم للدفاع عن المال العام وكشف الفساد المتغلغل والمنتشر في صفقات الدولة والذي يهد أموال المصريين. كما يخوض المركز  معارك مع التجاهل المذهل لقرارات المحاكم الأدارية المصرية في قضايا فساد التعاقدات، مثل قضية شركتي طنطا للكتان ونوباسيد، الذين تم ارجاعهما هذا الشهر للمستثمر عبدالإله الكحكي من قبل الحكومة الحالية بقيادة محلب، برغم صدور حكم نهائي بفساد التعاقدات وحكم من المحكمة بإرجاع هذه الشركات للدولة مرة أخرى، وهو ما تم تجاهله تماما، وهو ما ما يضعف من سيادة القضاء المصري ويهدد دولة القانون التي ندعي جميعا أننا نعمل على بناءها، فأي دولة قانون تلك التي تتجاهل فيها الحكومة أحكام القضاء، بل تنتهكها، وأي دولة قانون تلك التي تمنع المواطن من اللجوء للقضاء للدفاع عن المال العام، الذي أقر دستور 1971 المنتهي العمل به أن ” للملكية العامة حرمة، وحمايتها ودعمها واجب على كل مواطن”، فلم قررت الدولة فجأة سحب هذا الحق، بل الواجب، من المواطن، الا لو كان خوفا من كشف الفساد، وحماية لفساد جديد؟

هذا بالاضافة الى صدور قوانين أخرى في مجال الاستثمار تسمح بالتصالح في جرائم الفساد والاستيلاء على المال العام، وذلك خارج نطاق المحاكم، لاغية أي رادع فعلي أو قانوني، ومتخطية فكرة أن الفساد جريمة، متعاملة مع الجرائم الاقتصادية كأخطاء ادارية بسيطة لا تستوجب تدخل القضاء، وهو ما من شأنه تعزيز الفساد والانقاص من دور المواطن في محاسبة المسئولين على فساد التصرف في الأموال العامة.

الفساد : نزيف للاقتصاد

وأخيرا، فمن الضروري أدراك حجم الفساد المستشري في مصر، ومدى تأثيره المهول على الاقتصاد وحياة المصريين اليومية، حيث تظل تقديرات الأموال الضائعة بسبب التدفقات الغير المشروعة لخارج مصر، وتقديرات الأموال التي تخسرها مصر سنويا، مصر تفقد سنويا أكثر من 40 مليار جنيه مصري بسبب الفساد، وهو ما يوازي ميزانية الصحة في العام الحالي والبالغة حوالي 42 مليار جنيه مصري.

وبالرغم من أن الرئيس السيسي قد تعهد بالعمل على مكافحة الفساد، وبالرغم من أن رئيس الوزراء ابراهيم محلب قد تقدم باستراتيجية للرئيس لمكافحة الفساد، الا أن المركز المصري يؤكد على أن لا استراتيجية حقيقية لمحاربة الفساد دون اشراك المواطن فيها، وهو صاحب المصلحة الأول في حماي المال العام. ومن هنا نؤكد أن لا استراتيجية لمكافحة الفساد دون التراجع عن قانون رقم 32 لعام 2014 الذي يحول دون المواطنين وحقهم المشروع في الدفاع عن المال العام أمام القضاء المصري، الذي يتعين على الحكومة احترام وجوده وتنفيذ أحكامه.

[divide]

مؤشر مدركات الفساد لعام 2014

[divide style=”2″]

اقرأ المزيد:

– اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد  -PDF

– تقرير الشفافية العالمية 2014 – PDF

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى