المركز المصري: موجات الحر تهدد حياة ملايين العمال.. وقرار الأقصر نموذج يجب تعميمه

يثمن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، قرار المهندس عبد المطلب عمارة محافظ الأقصر، بحظر تشغيل عمال النظافة الميدانيين في الشوارع والميادين بمختلف مراكز ومدن المحافظة خلال فترة الذروة الصيفية، في الفترة الممتدة من الساعة الحادية عشرة صباحاً وحتى الساعة الخامسة مساءً، حفاظاً على سلامتهم وصحتهم من التعرض المباشر لأشعة الشمس الحارقة وموجات الحر الشديدة، حتى 15 سبتمبر القادم، ويطالب المركز الجهات المسؤولة بتعميم هذا القرار على مستوى الجمهورية، بالإضافة إلى تدابير أخرى، بما يتضمن حماية جميع المتأثرين بأخطار ارتفاع درجات الحرارة.
كان القرار الوزير وضع خطة عمل بديلة لتوزيع عمال النظافة على فترتين لضمان عدم تأثر مستويات النظافة العامة بالمحافظة، حيث تنتهى فترة العمل الأولى الساعة الحادية عشرة صباحاً، في حين تبدأ الفترة المسائية من الساعة الخامسة مساءً، لضمان استمرار منظومة الجمع والرفع بكفاءة عالية خارج أوقات الذروة.
بالتزامن، كان مشروع الطاقة الشمسية بقرية الرقبة ومنطقة بنبان بمحافظة أسوان، شهد منذ أيام وفاة عامل وإصابة آخرين بحالات إغماء وإعياء شديد، تأثرا بموجة حرارة شديدة وضربات شمس في موقع العمل، تزامناً مع تسجيل درجات حرارة قياسية وصلت في ذروتها إلى 49 درجة مئوية، على مستوى المحافظة، وعلى أثر الواقعة نظم عدد من العمال وقفة احتجاجية للمطالبة بتوفير إجراءات السلامة والصحة المهنية لحمايتهم من أخطار ارتفاع درجات الحرارة، بينما لم تتخذ الجهات المسؤولة أي تدابير ملموسة في مواجهة هذه الكارثة.
في السياق، يجدد المركز المصري مطالبة الجهات المسؤولة باتخاذ تدابير عاجلة لحماية العمال من أخطار الإجهاد الحراري، مع تشديد إلزام المنشآت وأصحاب العمل بتطبيق الإجراءات الوقائية، إلى تشديد إجراءات الرقابة والتفتيش على المنشآت التي لا تلتزم بالمعايير، والتعامل مع المخالفات بحزم لحماية حياة العمال، فضلا عن بحث تطبيق إجراءات تعويضية لهم عن الخسائر الناجمة عن هذه التدابير.
كما يطالب المركز بضرورة تقليل عدد ساعات العمل في هذه الفترات، مع زيادة عدد فترات الراحة وتوفير أماكن باردة ومظللة لها، مع تحديد مواعيد القيام بالأعمال الحرارية في أوقات اليوم التي تنخفض فيها درجات الحرارة، والحد من المتطلبات البدنية التي يتعين على العاملين تلبيتها، وتكليف عدد أكبر من العمال بالقيام بالمهام التي تتطلب جهدا بدنيا، والحد من الجهد البدني بتوفير المعدات والأدوات الكفيلة بذلك، وتوفير مياه وسوائل باردة للعاملين مع توفير فترة راحة لشربها، وتعيين مراقبين مدربين على طرق الوقاية والتعامل مع المشاكل الصحية لملاحظة أي أعراض أو علامات للمشاكل الصحية المرتبطة بدرجات الحرارة العالية، والتأكد من وجود أدوات ومواد الإسعافات الأولية للتعامل الفوري معها.
ويدعو المركز للإسراع من تنفيذ الخطة الحكومية للتحول الرقمي وميكنة الخدمات، مثل التأمين الصحي، والعلاج على نفقة الدولة، والتراخيص، والشهر العقاري، وغيرها، خاصة المتعلقة بالمرضى وكبار السن كأكثر الفئات ضعفا وعرضة لأخطار الإجهاد الحراري، تفاديا للتعرض لمخاطر صحية إضافية ناجمة عن الإرهاق والضغوط النفسية بسبب الإجراءات الإدارية التقليدية.
ومع كل موجة حارة، تعود مسألة الإجهاد الحراري والتأثيرات الصحية المتعلقة بالعمل في درجات الحرارة العالية وتحت أشعة الشمس المباشرة إلى الواجهة، في الوقت الذي يفتقر العاملون في كثير من القطاعات الحيوية في البلاد يفتقرون إلى معايير السلامة المهنية لحمايتهم من مخاطرها، فضلا عن افتقارهم الحماية الكافية من هذه التأثيرات، ما يتطلب من الجهات المسؤولة اتخاذ القرارات الضرورية للتعامل مع معدلات التغيير والارتفاعات غير المسبوقة في درجات الحرارة، منعا لتعرض عشرات الملايين من العمال لأخطار الإصابة بالعديد من الأمراض من بينها السرطان وأمراض القلب، وقد تصل إلى حد الوفاة.
بحسب منظمة العمل الدولية، يعني الإجهاد الحراري وصول درجة الحرارة إلى مستوى يتجاوز ما يمكن أن يتحمله الجسم، وهو ما يحدث عادة عند درجات حرارة تتخطى 35 درجة مئوية، في مناخ عالي الرطوبة.
وتشكل الحرارة الزائدة أثناء العمل خطراً على الصحة المهنية، إذ تحد من الوظائف والقدرات الجسدية للعمال ومن قدرتهم على العمل وبالتالي تضر الإنتاجية، وفي الحالات الشديدة، يمكنها أن تسبب ضربة شمس قد تكون مميتة.
وتزداد معدلات أخطار الإجهاد الحراري بشكل أكبر في محافظات جنوب الصعيد، وهي سوهاج وقنا والأقصر وأسوان والبحر الأحمر، التي يقدر عدد المشتغلين بها بـ3 ملايين و86 ألفا و800 عامل وعاملة، وفقا لآخر إحصائية صادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، وسجلت إحدى محافظاته – أسوان – أعلى درجة حرارة في العالم بـ49.6 درجة مئوية في الظل، كأسخن منطقة على وجه الأرض، متجاوزة الحد الأقصى المسموح به في قوانين العمل والبيئة بقرابة 17 درجة مئوية، فيما يبلغ عدد العاملين بها ما يقارب 478,400 عامل، وفقًا للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء لعام 2024.
كما تتزايد التأثيرات على المشتغلين في أعمال شاقة تتطلب التعرض للحرارة بشكل مباشر، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر عمال (الزراعة، والصيد، والتعدين، واستغلال المحاجر، وقطاع الأخشاب، والصناعات التحويلية، وإمدادات الكهرباء والغاز، والإمداد المائي، وشبكات الصرف الصحي ومعالجة النفايات، والتشييد والبناء، وتجارة الجملة والتجزئة، وإصلاح المركبات، والنقل والتخزين، وخدمات الغذاء والإقامة، والأفران، والتوصيل) ويبلغ عددهم 21 مليونا و798 ألفا و800 عامل وعاملة، وفقا لآخر إحصائية رسمية.
وحدد القرار 211 لسنة 2003، في شأن حدود الأمان والاشتراطات والاحتياطات اللازمة لدرء المخاطر الفيزيائية والميكانيكية والبيولوجية والكيميائية والسلبية وتأمين بيئة العمل، الصادر عن وزارة القوى العاملة والهجرة حينها – وزارة العمل حاليا – حدود التعرض الحراري المسموح بها في أماكن العمل، وقدر مدة الراحة المفروضة من 25% إلى 75% من مدة العمل وفقا لعبء العمل، ووفقا لدرجات الحرارة المقدرة من 25 إلى 32 درجة مئوية.
كما صنف القرار عبء العمل إلى 3 درجات، خفيف؛ ويعني العمل على الماكينات واقفا أو جالسا أو القيام بأعمال يدوية خفيفة، ومتوسط؛ ويعني السير بأعمال خفيفة أو مع دفع أو سحب، وشاق: ويعني أعمال الحفر والتحميل أو الصعود بأحمال.
وخلال 21 عاما، لم تجر أي تعديلات على قرار الوزير على الرغم من تزايد درجات الاحترار بما يقارب 17 درجة مئوية عن الحد الأقصى المنصوص عليه، كما لم تجر أي تعديلات بشأن مراجعة سياسات السلامة والصحة المهنية في أماكن العمل، في الوقت الذي دعت منظمة العمل الدولية إلى بذل جهود أكبر لتصميم وتمويل وتنفيذ سياسات وطنية لمعالجة مخاطر الإجهاد الحراري وحماية العمال، بما يشمل البنية التحتية الملائمة، وتحسين أنظمة الإنذار المبكر بموجات الحر، وتحسين تنفيذ معايير العمل الدولية مثل معايير السلامة والصحة المهنية للمساعدة في تصميم سياسات تعالج المخاطر الناجمة عن ارتفاع الحرارة.



