أخبار عاجلةبيانات المركزبيانات صحفيةحقوق اجتماعيةسياسات اقتصاديةصحةعمل ونقاباتمميز

رقابة مزدوجة لا استبدال.. المركز المصري يوصي بضوابط حاكمة لمنظومة التتبع الدوائي الجديدة

يتابع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية التطورات التي تشهدها سوق الدواء المصرية، تزامناً مع إعلان هيئة الدواء المصرية عن التطبيق الإلزامي للمنظومة الوطنية للتتبع الدوائي” (Track and Trace)، والقائمة على تقنية الرمز المرجعي ثنائي الأبعاد (QR Code).

وفي حين يؤكد المركز دعمه لأي جهود مؤسسية تستهدف القضاء على ظاهرة الغش الدوائي وحماية الأمن القومي الصحي، يرفض رفضاً قاطعاً المقترحات التي تتبناها شعبة الأدوية بالغرف التجارية، والتي ترمي إلى الاكتفاء بالـ (QR Code) لمعرفة السعر، وحذف السعر المطبوع حبراً أو المحفور كبساً على العبوات، لما يمثله ذلك من انتهاك صريح لحقوق المستهلك، وتغول للسياسات النيوليبرالية التي تنحاز لأرباح الشركات على حساب الفئات الأكثر هشاشة.

تستند منظومة التتبع الدوائي إلى حزمة من القرارات التنظيمية المتكاملة، أبرزها القرار رقم 161 لسنة 2025 لتوحيد نظام التكويد، والقرار التكميلي رقم 475 لسنة 2025 بإنشاء النظام الإلكتروني الموحد، وقد حدد الدليل التنفيذي الصادر في يناير 2026 مواعيد إلزامية لتطبيق المنظومة على الأدوية المستوردة (فبراير 2026) والمصانع المحلية (أغسطس 2026).

وفي السياق ترتكز هيئة الدواء على تأكيدات تتعلق بإحكام الرقابة، وتصفير معدلات الغش عبر منح كل عبوة “بصمة رقمية” فريدة، ومواجهة الاحتكار من خلال رصد المخزون في الصيدليات والمستودعات لمنع التخزين أو التهريب، واستهداف الاستغناء عن النشرات الورقية لتقليل الضغط على العملة الأجنبية.

ورغم هذه التصريحات الرسمية بأن الدواء سيظل خاضعاً للتسعير الجبري، وأن التطبيق سيكون تدريجياً، إلا أن التطبيق العملي يطرح إشكاليات قانونية واجتماعية عميقة تفضل الجهات الرسمية تجاهلها.

ويرى المركز أن التوجه نحو إلغاء السعر المطبوع يفرز جملة من المخاطر التي تعصف بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين، على رأسها:

1-         المخالفة الصريحة لقانون مزاولة مهنة الصيدلة، حيث يمثل هذا التوجه التفافاً على المادة (57) من القانون رقم 127 لسنة 1955، والتي توجب إثبات سعر البيع للجمهور بصورة واضحة ومكتوبة على العبوة، وأي قرار إداري يخالف هذا النص يعد باطلاً؛ حيث أوجب القانون أن يكون السعر بياناً مادياً ظاهراً، لا معلومة افتراضية مشفرة.

2-         يتجاهل هذا القرار الواقع الاجتماعي في مصر؛ في ظل ارتفاع نسبة الأمية، ناهيك عن ملايين المسنين والمرضى في القرى والنجوع الذين يفتقرون للقدرة على التعامل مع الهواتف الذكية، وهو ما من شأنه أن يسلب المريض استقلاليته وحقه الدستوري في المعرفة (وفقاً للمادة 18 من الدستور).

3-         تتيح البنية الرقمية للمنظومة تعديل الأسعار على الخوادم المركزية (Servers) بضغطة زر، وهو ما يعني أن العبوات القديمة المخزنة من الممكن تغيير أسعارها تلقائياً للمستهلك، مما قد يدفع الموزعين على احتجاز الأدوية الحيوية فور علمهم بوجود قرار وشيك بتحريك الأسعار، للتربح غير القانوني.

4-         يلقي إلزام الصيدليات بتجهيز بنية تكنولوجية مكلفة (أجهزة مسح، إنترنت مستقر، حواسب حديثة) دون دعم حكومي بعبء مالي ضخم على صيدليات القرى والمحافظات، مما يعزز من احتكار السلاسل الكبرى ويهدد الأمن الوظيفي لآلاف الصيادلة.

من هذا المنطلق، يوصي المركز المصري بضرورة:

1-         إصدار قرار من هيئة الدواء المصرية يحظر حذف أو استبدال السعر المطبوع حبراً أو المحفور كبساً على العبوة الخارجية، مع قصر دور الـ (QR Code) كأداة تكميلية للسلامة الدوائية، التزاماً بالمادة 57 من قانون مزاولة مهنة الصيدلة.

2-         سرعة تفعيل توفير شاشات استعلام وقراءة رقمية (Scanners) في الصيدليات، مجاناً للجمهور كأداة لكشف الغش الدوائي، مع التشديد الصارم على أن يقتصر دورها حصرياً على تمكين المواطن من “مطابقة” السعر الرقمي بالسعر المادي المطبوع فعلياً على العبوة، دون أي التفاف يتخذ من توفير هذه البنية التكنولوجية ذريعة ومبرراً لإلغاء السعر المطبوع.

3-         إطلاق مبادرة تمويلية عاجلة وميسرة من البنك المركزي المصري بالتعاون مع وزارة الاتصالات لتوفير أجهزة القراءة الرقمية والبنية التحتية اللازمة للصيدليات الصغيرة والفردية؛ سواء في صورة منح لا تُرد أو قروض بفوائد منعدمة، وذلك لضمان استمراريتها وحمايتها من خطر الإفلاس أو الإقصاء الاقتصادي لصالح الكيانات الاحتكارية وسلاسل الصيدليات الكبرى.

4-         التزام هيئة الدواء بتطوير وإطلاق تطبيق إلكتروني رسمي ومجاني يعمل بكفاءة دون الحاجة للاتصال المستمر بشبكة الإنترنت (Offline)، ليتيح للمواطنين في المناطق النائية والقرى والنجوع كشف تزوير الأدوية والتأكد من السعر الجبري، دون ربط حقهم الأساسي في المعرفة والرقابة بتوافر خدمات الإنترنت.

5-         إطلاق حملات إعلانية وتوعوية مكثفة عبر مختلف وسائل الإعلام (القومية والخاصة)، لتعريف المواطنين بحقوقهم الأصيلة، وشرح آليات عمل النظام الجديد بوضوح وشفافية، لقطع الطريق أمام أي محاولات لاستغلال المرضى أو التلاعب بأسعار السلع الاستراتيجية كالدواء.

إن التحول الرقمي يجب أن يكون أداة لتعزيز الشفافية وحماية المواطن، وليس بوابة خلفية لتمرير سياسات تضاعف من الأعباء المعيشية وتنتقص من الحقوق الدستورية الأصيلة للمصريين.

وفي هذا السياق، يؤكد المركز استمراره في متابعة تطورات هذا الملف عن كثب، ورصد أي إجراءات تنفيذية قد تضر بحقوق المستهلكين، التزاماً بدوره في الدفاع عن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، والتصدي لأي سياسات تُشرعن الاحتكار أو تخل بمبدأ العدالة الاجتماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى