بيانات المركزبيانات صحفيةحقوق اجتماعيةحقوق اجتماعيةصحة

تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية: ضرورة ملحة لإنقاذ ضحايا الحروق وحماية الحق في الحياة  

يدعم المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية مقترح النائبة أميرة صابر قنديل، عضو مجلس الشيوخ، بشأن “تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية وتيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة”، باعتباره خطوة ضرورية لمعالجة فجوة مزمنة في منظومة الرعاية الصحية، انعكست بصورة مباشرة على حياة آلاف المرضى، خصوصًا المصابين بالحروق والتشوّهات الجسيمة، الذين يواجهون صعوبات بالغة في الحصول على أنسجة للعلاج أو إعادة التأهيل، في ظل محدودية الإتاحة وارتفاع التكلفة وغياب منظومة عامة عادلة.

إن الواقع الصحي يكشف أن غياب بنك وطني منظّم للأنسجة البشرية لا يُعدّ نقصًا تقنيًا فحسب، بل يمثّل صورة من صور عدم المساواة في الحق في العلاج؛ إذ يتحوّل الوصول إلى أنسجة منقذة للحياة إلى امتياز مرتبط بالقدرة المالية أو بمدى القرب من مؤسسات بعينها، وهو ما يتناقض مع الالتزام الدستوري بضمان الحق في الصحة دون تمييز.

ويؤكد المركز أن الإطار التشريعي القائم، وعلى رأسه قانون تنظيم زرع الأعضاء البشرية رقم 5 لسنة 2010 وتعديلاته الأخيرة، يوفّر أساسًا قانونيًا يمكن البناء عليه لتنظيم التبرع وزرع الأنسجة والأعضاء وفق معايير تحمي كرامة الإنسان، وتجرّم الاتجار بالأعضاء والأنسجة، وتضع ضوابط أخلاقية وقانونية صارمة لمنع الاستغلال أو التربّح من جسد الإنسان، غير أن فعالية هذا الإطار تظل رهينة بترجمته إلى سياسات عامة ومؤسسات قادرة على التنفيذ والرقابة والمساءلة.

وفي هذا السياق، يثمّن المركز ما أعلنته وزارة الصحة والسكان بشأن التوجّه لإنشاء بنك للأنسجة في مستشفى معهد ناصر ضمن خطة تطويره كمركز قومي لزراعة الأعضاء، ويؤكد أن هذه الخطوة – رغم أهميتها – ينبغي ألا تُختزل في مشروع منفصل أو محدود النطاق، بل أن تأتي ضمن رؤية وطنية شاملة لتأسيس منظومة عامة للتبرع بالأنسجة وحفظها وتوزيعها وفق معايير العدالة الطبية والاحتياج الصحي.

ويرى المركز أن مقترح النائبة أميرة صابر قنديل يقدّم مدخلًا عمليًا وقابلًا للتنفيذ، سواء عبر البدء بمشروع تجريبي لبنك أنسجة وطني في مستشفى متخصص بالحروق أو بالشراكة مع مؤسسات أهلية ذات خبرة، أو عبر تبنّي تقنيات منخفضة التكلفة لحفظ الأنسجة، وتدريب الفرق الطبية، والاستفادة من الخبرات الوطنية والبحثية لتطوير بروتوكولات محلية متوافقة مع المعايير الدولية.

كما يكتسب المقترح أهميته من تركيزه على تيسير إجراءات التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، ومعالجة حالة الغموض المجتمعي الواسعة حول كيفية التبرع وضماناته القانونية والأخلاقية، وإنشاء سجل وطني إلكتروني للمتبرعين، وتوحيد بروتوكولات التنسيق بين المستشفيات ووحدات الرعاية المركزة، وإطلاق حملات توعية عامة بالتعاون مع المؤسسات الدينية والمجتمعية لتأكيد مشروعية التبرع بالأنسجة بعد الوفاة، وطمأنة المواطنين إلى أن التبرع لا يمسّ كرامة الجسد ولا يتعارض مع الدفن الكريم.

وفي الوقت ذاته، يؤكد المركز ضرورة وضع ضوابط رقابية صارمة تحول دون انزلاق منظومة التبرع بالأنسجة إلى مسارات التجارة أو الوساطة أو الاستغلال، سواء عبر القطاع الخاص أو شبكات غير رسمية، مع ضمان الشفافية الكاملة في إدارة بنوك الأنسجة ومعايير تخصيص الأنسجة وأولويات العلاج، بما يضمن العدالة وتكافؤ الفرص بين المرضى على أساس الحاجة الطبية وحدها.

ويشدد المركز المصري على أن مقترح تأسيس بنك وطني للأنسجة البشرية ليس مسألة تقنية أو إدارية، بل خيار سياسي واجتماعي يعكس انحيازات السياسات العامة، ويُعدّ خطوة أساسية نحو تحويل الحق في الصحة من نص قانوني إلى واقع ملموس في حياة المرضى، وخاصة أولئك الذين يدفعون اليوم ثمن الفقر وغياب البنية الصحية العادلة بأجسادهم وحياتهم.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى