هل يدفع الفقراء ثمن امتيازات الأغنياء.. دراسة حول العدالة الضريبية في مصر

أصدر المركز المصري دراسة جديدة بعنوان: “هل يدفع الفقراء ثمن امتيازات الأغنياء؟”، في إطار محاولات تقديم قراءة شاملة لفهم هيكل منظومة الضرائب في مصر وتحليل آثارها على العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وعلى تمويل الخدمات العامة الأساسية مثل الصحة والتعليم والإسكان والبنية التحتية.
كما ترصد الدراسة اتساع فجوة توزيع الدخل والثروة، وتصاعد اعتماد الدولة على مصادر تمويل بديلة، أبرزها الاقتراض، وما يترتب على ذلك من أعباء إضافية على الاقتصاد الوطني والمواطنين، خاصة الفئات الأكثر هشاشة.
الدراسة – التي أعدها الباحث الاقتصادي البارز إلهامي الميرغني وحررها محمود هاشم – تسلط الضوء على اختلال الميزان الضريبي كأحد أبرز عوامل تفاقم الأعباء الاجتماعية والاقتصادية، إذ تتحمل الفئات الفقيرة والمتوسطة الجزء الأكبر من التكلفة العامة، بينما تظل مساهمة الفئات الأغنى محدودة نسبيًا، في ظل توسع نطاق الإعفاءات وضعف التصاعدية الضريبية. وتشير البيانات الرسمية إلى تراجع كفاءة النظام الضريبي مقارنة بالدول العربية والعالمية، ما يضعف قدرة الدولة على استخدام الضرائب كأداة فعّالة لإعادة توزيع الدخل وتحقيق العدالة الاجتماعية.
وتوضح الدراسة أن تعدد التشريعات الضريبية وتكرار تعديلاتها دون وجود إطار موحد يخلق حالة من الارتباك التشريعي، ويضع عبئًا إضافيًا على المكلفين والمحاسبين ومأموري الضرائب على حد سواء، كما يزيد من النزاعات الضريبية ويحد من الالتزام الطوعي. ويرى الباحثون أن ضعف الحوافز التشجيعية للامتثال الطوعي يقلل من فعالية التحصيل ويضعف الشفافية ويؤثر سلبًا على كفاءة النظام ككل.
كما تبرز الاعتماد الكبير على الضرائب غير المباشرة، مثل ضريبة القيمة المضافة والرسوم على الاستهلاك، التي تثقل كاهل الفئات الأقل دخلاً بشكل أكبر مقارنة بالضرائب المباشرة على الدخل والثروة. ويؤدي هذا النمط إلى تعزيز التفاوت الاجتماعي والاقتصادي ويحد من قدرة النظام الضريبي على إعادة توزيع الدخل بعدالة.
وتكشف الدراسة عن انخفاض مساهمة الضرائب على الدخل والثروة والأرباح الرأسمالية في الإيرادات الضريبية مقارنة بدول عربية أخرى، في ظل توسع نطاق الإعفاءات وضعف التصاعدية الضريبية. ويترتب على ذلك تحميل الفئات الفقيرة والمتوسطة الجزء الأكبر من الأعباء المالية، بينما تستفيد الفئات الأغنى من الحد الأدنى من الالتزام، ما يعزز الفجوة الاقتصادية ويضعف قدرة النظام الضريبي على أداء دوره في تحقيق العدالة الاجتماعية.
تشير الدراسة إلى أن غياب العدالة الضريبية لا ينعكس فقط على المؤشرات الاقتصادية، بل يمتد تأثيره إلى الحقوق الاجتماعية الأساسية، حيث يقلل قدرة المواطنين على الحصول على خدمات الصحة والتعليم والإسكان والبنية التحتية بجودة مناسبة. ويؤكد التحليل أن تحميل الفقراء نصيبًا أكبر من تكلفة التمويل العام يقوض فرص التنمية الشاملة، ويضعف الثقة في السياسات الاقتصادية، ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر ضعفًا، بما يؤدي إلى مزيد من التفاوت الاجتماعي والفقر متعدد الأبعاد.
وتلفت الدراسة أيضًا إلى أن ضعف التصاعدية الضريبية واتساع الإعفاءات يحدّان من قدرة الدولة على تحقيق تنمية مستدامة وشاملة، حيث تتحمل الشرائح الاجتماعية الأقل دخلًا نصيبًا غير متناسب من الأعباء المالية، بينما تحقق الفئات الأكثر ثراءً ميزة نسبية واضحة. وهذا الوضع يزيد من فجوة الثقة بين الدولة والمواطنين، ويضعف الحافز على الالتزام الطوعي بالنظام الضريبي.
كما تشدد على أن العدالة الضريبية ليست مجرد مطلب اقتصادي، بل تمثل التزامًا دستوريًا وحقًا اجتماعيًا مرتبطًا بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية المنصوص عليها في الدستور المصري والمعايير الدولية، بما يشمل الحق في العيش الكريم وتقليل الفقر والفجوة الطبقية. ويشير التقرير إلى أن غياب توزيع عادل للأعباء الضريبية يقلل قدرة الدولة على الوفاء باستحقاقات الإنفاق الاجتماعي ويحد من فعالية السياسات الاقتصادية في حماية الفئات الأكثر ضعفًا.
وتوصي الدراسة بتعزيز الضرائب التصاعدية على الدخل والثروة، بما يضمن مساهمة عادلة للفئات الأكثر ثراءً، ويتيح للنظام الضريبي إعادة توزيع الثروة والدخل بشكل أكثر فعالية، مما يخفف العبء عن الفئات الفقيرة والمتوسطة ويحد من الفجوة الاقتصادية والاجتماعية. كما تسلط الضوء على أهمية توحيد الإطار التشريعي للنظام الضريبي، للحد من تعدد التشريعات وتقليل التعقيد القانوني، بما يسهل الالتزام الطوعي ويحد من النزاعات الضريبية، ويعزز الشفافية ويقوي الثقة في المؤسسات الضريبية.
وفي السياق تنبه إلى ضرورة رفع كفاءة التحصيل الضريبي، بما يقلل من التهرب الضريبي ويزيد الإيرادات دون تحميل الفئات الأكثر هشاشة أعباء إضافية، إضافة إلى إعادة النظر في الإعفاءات الضريبية وتوسيع قاعدة الممولين لضمان مشاركة أوسع وأكثر عدالة لجميع الفئات الاجتماعية، بما يحقق توزيعًا متوازنًا للأعباء المالية. كما تولي الدراسة اهتمامًا بالغًا لتعزيز الشفافية والحوكمة الضريبية، لضمان عدالة التطبيق، والحد من الانتهاكات، وضمان التزام جميع الأطراف بالقواعد، بما يعزز الثقة في الدولة وسياساتها الاقتصادية. وفي هذا السياق، تربط الدراسة إصلاح النظام الضريبي بسياسات التنمية الشاملة، لضمان توظيف الإيرادات الضريبية في دعم الخدمات العامة وتحقيق العدالة الاجتماعية، بما يسهم في التنمية المستدامة وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين.
وتهدف الدراسة من خلال هذه التوصيات إلى إقامة نظام ضريبي أكثر عدالة وفعالية، يقلص الفجوة بين الطبقات الاجتماعية ويضمن قدرة الدولة على تقديم خدمات عامة عالية الجودة، بما يعزز التنمية الشاملة والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي المستدام في مصر. وترى الدراسة أن إصلاح النظام الضريبي ينبغي أن يكون جزءًا من استراتيجية متكاملة لتحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، وحماية الحقوق الأساسية للمواطنين، وتحقيق تنمية مستدامة تشمل جميع فئات المجتمع، بما يعمق الثقة بين الدولة والمواطنين ويضمن مشاركة عادلة للجميع في التنمية.
للاطلاع على الدراسة كاملة من هنا:



