“مفوضي الدولة” توصي بإلغاء قرار وزير الصحة زيادة أسعار خدمات الصحة النفسية والعلاج من الإدمان
المركز المصري: تقرير انحاز لحقوق المواطن ونأمل أن يكون مقدمة لحكم لمجلس الدولة
“مصيرنا واحد”: الصحة النفسية ليست رفاهية.. وعلى الوزارة وضعها في أولوية أجندتها بعد الحوادث الاجتماعية الأخيرة
أودعت هيئة مفوضي الدولة إلى محكمة القضاء الإداري، تقريرها في الدعوى القضائية رقم 86235 لسنة 79 قضائية، التي أقامها المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بالتنسيق مع حملة “مصيرنا واحد”، فيما يتعلق بإلغاء قرار وزير الصحة الصادر بشأن اللائحة المالية الجديدة لصندوق تحسين الخدمة بمستشفيات الصحة النفسية، فيما لم ينص عليه من مجانبة علاج غير القادرين في حالات الطواري وحالات الخطر على الحياة وفق القدرة الاستيعابية للمنشأة.
وانتهت إلى الحكم بقبول الدعوى شكلا، وفي الموضوع بإلغاء قرار وزير الصحة رقم 220 لسنة 2025 فيما لم ينص عليه من مجانية علاج غير القادرين في حالات الطواريء وحالات الخطر على الحياة وفق القدرة الاستيعابية للمنشاة، وإلزام الجهة الإدارية المصروفات.
واستند التقرير الي أن الدساتير المصرية قد تواترت على الإقرار بحق المواطنين في الصحة، شأنها في ذلك شأن المواثيق والمجاهدات الدولية التي اعترفت بالحق في الصحة كحق من حقوق الإنسان الاجتماعية ويتقدم هذه المواثيق العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام ١٩٦٦. والمشرع الدستوري وعيا منه بتعدد الاعتبارات المرتبطة بالحق في الصحة تجده في أدرك أن تعزيز الحق في الصحة يستوجب العناية بالمرفق الصحي، وعدالة توزيعه الجغرافي وكذا تحسين أوضاع العنصر البشري الطبي ومن المسلم به أن الارتقاء بعناصر منظومة الصحة المختلفة على هذا النحو وصولا لحق في الصحة فعال وعادل يتطلب نفقات تتواكب مع تكلفة وأسعار العصر والتي ترتفع لا محالة مع المشكلات الاقتصادية أو التدبير الحكومي في الإنفاق لحل تلك المشكلات أو لتحقيق تنمية اقتصادية. كما أنه أكد على أهمية التكافل الاجتماعي في تحقيق رعاية صحية لائقة لكافة شرائح المجتمع بحيث لا تكون القدرة المالية حائلا دون التمتع بالحق في الصحة بشقيه البدني والنفسي فأرسى في سبيل ذلك قاعدتين. فهو من ناحية سعى إلى توفير رعاية صحية تكافلية وعادلة على نحو مستدام من خلال إلزام الدولة بإقامة نظام تأمين صحي شامل، ونص في شأن ذلك على أن يشمل هذا النظام جميع المصريين وأن يغطي كل الأمراض، وأقر إعفاء المواطنين غير القادرين طبقا المعدلات دخولهم. ثم أن المشرع الدستوري قد ذهب إلى أبعد من ذلك في حرصه على الأحقية في الصحة التي لا تتقيد بقدرة مادية، فأقر قاعدة ثانية ارتقى فيها إلى حد التجريم، إذ حظر الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في الأزمات الأكثر صعوبة، وحدد ذلك بوضعين حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة، إذ نص على أن “ويجرم الامتناع عن تقديم العلاج بأشكاله المختلفة لكل إنسان في حالات الطوارئ أو الخطر على الحياة” وهو بصدد هذا الحظر لم يضع أي استثناء ولم يبط بالمشرع العادي وضع تنظيم أدق لتلك القاعدة مما قد يستنتج معه أنه ترك مجالا للاستثناء.
ويري التقرير أن اللائحة قد جانبت جادة الصواب بأن ارتكبت عيب مخالفة القانون فيما تغاضت عنه من التزام بالعلاج في الحالات التي تمثل خطرا على الحياة عملا بالنص الدستوري، كما أنه لا يستقيم لها ترك احتمالا مفتوح لتقييد الحق في العلاج لغير القادرين في حالات الطوارئ والخطر على الحياة. وذلك بيانه أنه ولئن كانت المادة (۷) من اللائحة قد نصت على العلاج مجانا وفق أولوية تشمل العلاج في حالات الطوارئ، وفسرت حالات الطوارئ بما يشمل الحالات الحرجة التي تقتضي التدخل السريع لإنقاذ حياة المريض أو لمنع تفاقم الحالة، إلا أن ذلك النص قد أغفل التمييز الصريح الذي أنزلته المادة (۱۸) من الدستور بين حالات الطوارئ وحالات الخطر على الحياة، فاكتفى بذكر الأولى، دون أن يشمل الثانية.
ومن حيث أنه في بيان تلك المسألة، فإن حالات الطوارئ تشمل ما قد يلم بالمريض على نحو مفاجئ بما قد يهدد إما حياته على المدى الطويل أو القصير، أو يحل دون ذلك بأن يؤدي إلى تفاقم حالته إذا لم يتم تدارك الأمر، إلا أن النوع الثاني الذي نص عليه الدستور إنما ينصب على غرض حماية الحياة في عمومها، فهو يفترض أن تكون حالة المريض قد تنذر بخطر على الحياة، سواء حياته هو شخصيا أو حياة غيره، وذلك شأن من شئون المرض النفسي وبعض درجات حدته، ومن ثم فحالات الخطر على الحياة لا ترتبط ولا تتحدد لمحدد المفاجأة أو الحدث الطارئ، وإنما بدرجة الخطورة والحالة أو المرض النفسي الذي قد يهدد حياة صاحبه أو حياة من حوله هو أمر متصور وقوعه، وعدم استقبال أو معالجة مرضاه إذا لم يقدروا علي تدبير تكاليف العلاج أو الإقامة يمثل انتهاكا للحق في الصحة والحظر الدستوريين والأمر أنه يسري على الامتناع في حالات الطوارئ.
كما يري التقرير أن النص في صورته الحالية لا يترك للأطباء النفسيين مجال إعمال صحيح النص الدستوري والذي يتمثل بالنسبة لسياق منشآت الصحة النفسية في القدرة على تقرير دخول المريض المنشأة لتلقي العلاج النفسي، وخصوصا حالة الدخول الإلزامي كما نصت عليها المادة (13) من قانون رعاية المريض النفسي، إذ أفصحت تلك المادة عن الحالات التي تستدعي الإلزام وهي تتوافق مع النص الدستوري والتمييز بين الطواري والخطر على الحياة وهي أن توجد علامات واضحة تدل على وجود مرض نفسي شديد يتطلب علاجه دخول إحدى منشآت الصحة النفسية، وذلك في الحالتين الآتيتين: الأولى: قيام احتمال تدهور شديد ووشيك للحالة المرضية النفسية الثانية: إذا كانت أعراض المرض النفسي تمثل تهديدا جديا ووشيكة السلامة أو صحة أو حياة المريض ، أو سلامة وصحة وحياة الآخرين، ومن ثم فإن نص المادة (7) من اللائحة بهذه الكيفية بتضارب مع نص المادة (۱۳) من قانون رعاية المريض النفسي وفوقه نص الدستور حيث يحتمل منع الدخول الإلزامي لمن لا يستطيع كفالته.
وأكد التقرير أن الحق في الصحة حق دستوري أصيل، حرص المشرع الدستوري بصدده على ذكر حالتين بعينهما لا تقف فيهما القدرة المادية حائلا دون تلقي العلاج، أما وأن نص المادة (۷) من اللائحة المذكورة قد أغفل منهما حالات الخطر على الحياة، وفوق هذا ترك كليهما بالكلية رهن احتمال الامتناع عن العلاج بسبب القدرة المادية فقط وليس القدرة الاستيعابية، بالرغم من أن القدرة الاستيعابية يجب أن تكون المانع الوحيد عن تقديم العلاج في هاتين الحالتين، فإن اللائحة على هذا النحو تكون مشوبة بعيب مخالفة القانون، ومن ثم فإنه يتعين التقرير بإلغاء قرار وزير الصحة رقم ٢٢٠ لسنة ۲۰۲٥ فيما لم ينص عليه من مجانبة علاج غير القادرين في حالات الطواري وحالات الخطر على الحياة وفق القدرة الاستيعابية للمنشأة.
كما أكد أيضا على عدم جواز الارتكان إلى إمكانية استفادة غير المستطيعين من المرضى من مظلة التأمين الصحي الذي اتسعت ساحته لتشمل المواطنين كافة أو من نظام العلاج على نفقة الدولة، لأن نظام التأمين الصحي الموحد لم يطبق بعد في كافة المحافظات، ونظام العلاج على نفقة الدولة يتعلل بكثافة الطلبات، وحاصل القول هذا أن تقديم الخدمة الصحية في الحالتين التي نص عليهما الدستور قد يجد حده في القدرة والسعة الاستيعابيتين للمنشآت النفسية، إلا أنه لا يجب تقييده بعدم القدرة المادية للمرضى.
وأوضح المحامي مالك عدلي مدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، أن المركز – بالتنسيق مع حملة “مصيرنا واحد” – أقام الدعوى في أغسطس 2025، وكيلا عن أوصياء وأولياء أمور بعض المرضي وبعض المتخصصين في مجال الطب النفسي والمهتمين به، ضد كلا من السيد/ وزير الصحة بصفته والسيد/ الأمين العام للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته والسيد/ رئيس المجلس القومي للصحة النفسية بصفته والسيد/ مدير مستشفى العباسية للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته، والتي طالبوا فيها بوقف تنفيذ وإلغاء قرار وزير الصحة رقم 220 لسنة 2025 فيما تضمنه من قوائم أسعار مستحدثة مرفقة بالقرار مع ما يترتب على ذلك من آثار أخصها العودة للعمل بالأسعار السابق العمل بها قبل إصدار القرار، وعدم فرض أي قيود مالية مجحفة على علاج وإقامة ورعاية المرضي النفسيين والأوصياء عليهم والقائمين على رعايتهم بمستشفيات الصحة النفسية وعلاج الإدمان التابعة للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان.
وأضاف أن اللائحة ضاعفت مقابل خدمات الصحة النفسية الحكومية بشكل مبالغ فيه، حرمت معه قطاع عريض من المرضى من العلاج، فبعد أن كانت تكاليف العلاج بالأقسام الداخلية بمستشفيات الصحة النفسية تتراوح بين 150 جنيها إلى 6 آلاف جنيه شهريا، أصبحت بعد اللائحة تتراوح بين 4500 إلى 11500 جنيه شهريا للإقامة فقط.
وأكد خالد الجمال، محامي المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمباشر للقضية، أن محكمة القضاء الإداري نظرت الشق العاجل من الدعوى، وفي جلسة 11 أكتوبر الماضي قررت إحالة الدعوى إلى هيئة مفوضي الدولة، وفي ديسمبر الماضي قررت المحكمة حجز الدعوى لإعداد تقرير بالرأي القانوني، وأودعت الهيئة تقريرها المنتهي إلى الرأي بإلغاء قرار وزير الصحة على النحو المشار إليه.
وأشار الجمال إلى أن هيئة مفوضي الدولة استندت في تقريرها إلى مواد الدستور التي كفلت حق المواطن في الصحة وإلزام الدولة بإنفاق ما لا يقل عن ٣% من الناتج القومي على الصحة، إضافة إلى قانون ٧١ لسنة ٢٠٠٩ والخاص برعاية حقوق المريض النفسي.
ولفت الجمال إلى تطلع المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية إلى أن يكون التقرير مقدمة لحكم محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار وزير الصحة رقم ٢٢٠ لسنة ٢٠٢٥.
من ناحيتها، ثمنت حملة “مصيرنا واحد” تقرير هيئة مفوضي الدولة، مؤكدة رفضها لسياسات وزارة الصحة وقرارتها ومنها القرار المطعون ضده، التي جعلت من العلاج والخدمات الصحية “رفاهية ” تقتصر فقط على القادرين ماديا.
وقال د. أحمد حسين منسق الحملة وأحد مقيمي الدعوى القضائية، إن الآونة الأخيرة شهدت كوارث اجتماعية كان المرض النفسي أحد أركانها، وأكدت هذه الكوارث تحذيرات الحملة من توابع تسعير الخدمات الصحية، خاصة الصحة النفسية والعلاج من الإدمان.
واسترشد حسين بأهمية وخصوصية خدمات الصحة النفسية والعلاج من الإدمان، بتصريحات وبيانات وزارة الصحة والسكان الأخيرة تعقيبا على الحوادث الاجتماعية، والتي أكدت فيها وزارة الصحة على اهتمامها بالصحة النفسية ووضعها أولوية في جدول الوزارة.
وطالب حسين الحكومة أن تترجم هذه البيانات إلى واقع فعلي التزاما بالحقوق الدستورية للمواطن في الصحة والعلاج، مشيرًا إلى تطلعه أن تبادر وزارة الصحة والسكان بالعدول عن لائحة أسعار خدمات الصحة النفسية الأخيرة المطعون ضدها، وأن تتوسع في إتاحة خدمات الصحة النفسية وعلاج الإدمان بالمجان.



