مأساة “شهيدات لقمة العيش” بالمنوفية.. هل تستفيق الحكومة من تجاهل دماء العمال؟
بقلوبٍ تنزف ألمًا وحزنًا عميقًا، ينعى المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية استشهاد 18 فتاة عاملة وسائق ميكروباص في حادث مأساوي وقع صباح الجمعة 27 يونيو 2025 على الطريق الإقليمي أمام قرية مؤنسة بمركز أشمون في محافظة المنوفية.
خرجت هؤلاء الفتيات منذ الفجر بحثًا عن عمل يومي لا يتجاوز 130 جنيهًا (أقل من 3 دولارات)، لكن طريق العودة كان الحلقة الأخيرة في حياتهن الهشة، حيث ركبن ميكروباصا متهالكا يعكس واقع حياة ملايين العمال والعاملات غير المنتظمة الذين يضطرون يوميًا للاعتماد على وسائل نقل تفتقر لأدنى مقاييس السلامة والحماية، ما يجعل رحلتهم من وإلى أماكن العمل محفوفة بالمخاطر والتهديد المستمر لحياتهم.
إن هذه الكارثة الإنسانية ليست حادثًا عرضيًا عابرًا، بل تعبير صارخ عن الإهمال المؤسسي المنهجي وانعدام أبسط مقومات الأمان والكرامة التي يجب أن تضمنها الدولة لكل عامل وعاملة، فالطريق الإقليمي الذي بُني لتعزيز السلامة وتخفيف الازدحام، تحوّل إلى فخ قاتل، حيث شهد سلسلة حوادث مأساوية خلال الأشهر الماضية راح ضحيتها العديد من العمال والعاملات، دون وجود أي إجراءات فعالة للسلامة أو مساءلة واضحة لمسؤولي الصيانة والرقابة.
لم تكن هذه الحادثة الأولى خلال العام الحالي التي تسقط فيها أرواح أبناء قطاع العمالة غير المنتظمة، حيث سبقها – على سبيل المثال لا الحصر – حادث الطريق الصحراوي بمحافظة المنيا الذي أودى بحياة 8 أشخاص وأصاب 25 آخرين أغلبهم من العمال والعاملات الزراعيين ومن بينهم أطفال، وحادث تصادم حافلتين في المنيا الجديدة التي أسفر عن إصابة 10 عاملات أثناء عودتهن من العمل، بالإضافة إلى انقلاب أتوبيس نقل عمال بمدينة السادات بمحافظة المنوفية الذي أدى لإصابة 23 عاملاً، وحادث غرق ميكروباص «معدية أبو غالب» الذي راح ضحيته عدد من الفتيات العاملات في جني المحاصيل.
وفي الوقت الذي يعلن فيه المسؤولون عن دعم العمالة غير المنتظمة، تستمر دماء أبناء هذا القطاع في السقوط يوميًا على الطرق والمحاور والمعديات، في ظروف نقل خطرة تعكس هشاشة وضعهم الاقتصادي والاجتماعي، بينما لا تتعدى أجورهم الشهرية نصف الحد الأدنى للأجور الرسمي.
ورغم تكرار أجراس الإنذار التي تدقها هذه الحوادث المأساوية، تواصل الجهات المسؤولة تقاعسها الواضح وإهمالها المتكرر، فالوعود الرسمية بإجراءات إصلاحية وحماية أرواح المواطنين لم تترجم إلى أفعال حقيقية على أرض الواقع، فيما يستمر إزهاق الأرواح على طرق الموت، تُقدَّم تعويضات شكلية لا ولن توازي فقدان حياة أبرياء ما يزالون في مرمى التهميش والإهمال.
إن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يحمل المسؤولية الكاملة عن هذه الكوارث اليومية لوزارة النقل والجهات المختصة التي تقاعست عن وضع الحد الأدنى من معايير الأمان والحماية على الطرق، وفشلت في توفير وسائل نقل آمنة للعاملين والعاملات. هذا التقاعس يعكس غياب الضمانات الحقيقية لتأمين بيئة عمل آمنة، وهو انتهاك صارخ للحق الأساسي في الحياة والعمل الكريم.
إن العمالة غير المنتظمة، التي تشكل نسبة كبيرة من القوى العاملة في مصر، تظل تعاني من غياب الحماية الاجتماعية والأمن الوظيفي، ما يجعلها أكثر عرضة للمخاطر والحوادث، ويضاعف معاناة أسرها التي تعيش في ظروف من الفقر وعدم الاستقرار.
إن استمرار هذا النمط من الحوادث المأساوية هو انعكاس مباشر لغياب الرقابة وعدم وجود استراتيجية وطنية شاملة للسلامة والصحة المهنية، تحمي حياة المواطنين، خصوصًا الذين يعملون في ظروف عمل شديدة الهشاشة، دون أي أدوات حماية أو ضمانات.
لقد مللنا من تكرار النداءات والمطالب بحماية العمالة غير المنتظمة، خاصة الفئات الضعيفة والمهمشة وسكان الأطراف، وسط تجاهل متكرر من الجهات المعنية، ومن تجاهل التوصيات بحصر هذه الفئة وتأمينها، ومراقبة تطبيق معايير السلامة في بيئات عملها ووسائل نقلها، بينما يثير استمرار تكرار الحوادث تساؤلات جدية بشأن مدى جدية المسؤولين في حماية أرواح المواطنين وحماية حقهم في الحياة والكرامة.
كما يؤكد المركز على ضرورة إطلاق حوار وطني شامل حول حقوق العمالة غير المنتظمة، بدءًا من تحسين الأجور، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية، إلى تطبيق آليات الرقابة الصارمة، لضمان حياة آمنة وكريمة لهذه الفئات التي تحملت وما تزال تتحمل أثمانًا باهظة جراء الإهمال الرسمي والسياسات الاقتصادية غير العادلة.



