أخبار عاجلةبيانات المركزبيانات صحفيةحقوق اجتماعيةحقوق اجتماعيةسياسات اقتصاديةصحةضمان اجتماعىمشاكل

بين النص والتطبيق.. فجوة الحماية الاجتماعية في قضايا الأسرة والصحة النفسية

في ظل تزايد النزاعات المرتبطة بالطلاق والنفقة والعنف الأسري، وما يصاحبها من أعباء نفسية واجتماعية متفاقمة، تعكس الواقعة الأخيرة في محافظة الإسكندرية بانتحار أم لطفلتين، مستوى مقلقًا من الهشاشة التي باتت تعاني منها قطاعات واسعة من الأسر، خصوصًا النساء المعيلات وأطفالهن.

إن الاكتفاء بالتصريحات الرسمية التي تركز على نشر الوعي بخطورة الانتحار، دون معالجة الجذور الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية التي تدفع الأفراد إلى حافة اليأس، يعكس مقاربة قاصرة لا ترقى إلى حجم الأزمة، فالتوعية، على أهميتها، لا يمكن أن تكون بديلًا عن سياسات عامة عادلة تُخفف من الضغوط المعيشية، وتضمن الحماية الفعلية للأسر في مواجهة الأزمات.

كما تبرز الحاجة إلى دور أكثر فاعلية من المؤسسات الوطنية المعنية، وفي مقدمتها المجلس القومي للمرأة والمركز القومي للطفولة والأمومة، بما يتجاوز البيانات العامة إلى تدخلات ملموسة، تشمل الرصد والتدخل والدعم، والضغط من أجل إصلاحات تشريعية وسياسية تضمن حماية النساء والأطفال، وتوفر آليات إنصاف حقيقية في قضايا الأحوال الشخصية.

إن هذه الوقائع لا يمكن التعامل معها بوصفها أحداثًا فردية معزولة، بل هي نتاج مباشر لاختلالات هيكلية في منظومة الحماية الاجتماعية والعدالة الأسرية، سواء على مستوى التشريعات أو على مستوى إنفاذ الحقوق، فالفجوة بين ما تقرره الأحكام القضائية من حقوق، وبين ما يُنفذ فعليًا على الأرض، باتت تمثل أحد أبرز مصادر الإخلال بمبدأ سيادة القانون، وتقويض ضمانات الحماية للفئات الأولى بالرعاية.

وفي هذا السياق، تبرز إشكالية تحديد سقف منخفض للنفقات المصروفة من خلال بنك ناصر الاجتماعي، على نحو لا يواكب التحولات الاقتصادية ولا يراعي الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة، بما يشكل مساسًا فعليًا بحقوق الأطفال والنساء في الحماية الاجتماعية، ويُفرغ الأحكام القضائية من مضمونها التنفيذي، وهو ما يزيد من هشاشة أوضاع المطلقات وأبنائهن.

كان المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أقام دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإداري، ضد رئيس مجلس الوزراء، ووزير التضامن الاجتماعي، ووزير العدل، ووزير التأمينات، ورئيس بنك ناصر الاجتماعي، للمطالبة بإلغاء القرار السلبي بالامتناع عن زيادة الحد الأقصى للنفقة التي يصرفها صندوق تأمين الأسرة التابع لبنك ناصر الاجتماعي للمطلقات وأطفالهن المحكوم لهن بأحكام نفقة، مطالبا بإلزام الجهات الحكومية المختصة برفع الحد الأقصى للنفقة بما يتناسب مع التغيرات الاقتصادية، وبربط قيمتها بسعر الصرف أو مستوى الأجور أو مؤشر التضخم، بما يضمن للأسر المستفيدة الحد الأدنى من الحياة الكريمة، حيث شهدت مصادر تمويل صندوق تأمين الأسرة، الذي يدير هذه النفقات، توسعاً كبيراً عبر سنوات من الرسوم والضرائب المفروضة لهذا الغرض.

وحتى الآن، يلتزم البنك بصرف 500 جنيه فقط، وهو المبلغ الذي حدده قرار وزير العدل  رقم 2722 لسنة 2004 كحد أقصى لصرف النفقة للأسرة الواحدة منذ سنوات، بغض النظر عن قيمة الحكم القضائي أو عدد الأطفال أو الظروف المعيشية الحالية، كما يجبر المستحقات على تسليم أصل الصيغة التنفيذية لحكم النفقة مقابل صرف المبلغ، وهو ما يحرم الأمهات من حقهن في اتخاذ إجراءات أخرى لتحصيل باقي قيمة النفقة المقضي بها. بما يتجاهل تطورات الوضع الاقتصادي، حيث ما زال يحدد الحد الأقصى لا يغطي حتى أبسط احتياجات الأسرة، رغم مرور نحو 20 عامًا على اعتماد هذا السقف، وتضخم الموارد المالية للبنك بشكل كبير.

كما أن النزاعات المتعلقة بمسكن الحضانة تكشف عن ثغرات تنظيمية تسمح بإساءة استخدام الحق، بما يهدد الاستقرار الأسري ويعرض الأطفال لأشكال متعددة من عدم الأمان، في تعارض واضح مع مبدأ “مصلحة الطفل الفضلى” بوصفه معيارًا حاكمًا في جميع المسائل المتعلقة به.

وعلى جانب آخر، فإن القرارات المتعلقة برفع تكاليف خدمات الصحة النفسية تمثل عبئًا إضافيًا على الأفراد والأسر، خاصة في ظل غياب بدائل ميسورة، وهو ما يحد من إمكانية الوصول إلى العلاج، ويقوض أحد المكونات الأساسية للحق في الصحة، في ظل تفاقم الأضرار النفسية الناتجة عن الأوضاع الأسرية، لضمان أمن المجتمع واستقرار الأسر المتضررة، وتخفيف أعباء هذه الضغوط.

وقد تصدى المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية لهذه الإشكالية عبر الطعن على هذه القرارات، تأكيدًا على ضرورة التزام الدولة بضمان إتاحة خدمات الصحة النفسية دون تمييز أو إقصاء على أساس القدرة الاقتصادية.

ورفع المركز دعوى قضائية حملت رقم 86235 لسنة 79 قضائية أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة – وكيلا عن عدد من المتضررين من أوصياء وأولياء أمور عدد من المرضى إلى جانب مختصين ومهتمين بمجال الطب النفسي – ضد كل من: وزير الصحة بصفته، والأمين العام للأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته، ورئيس المجلس القومي للصحة النفسية بصفته، ومدير مستشفى العباسية للصحة النفسية وعلاج الإدمان بصفته، بشأن قرار الوزير رفع تكاليف الرعاية والعلاج بمستشفيات الصحة النفسية.

وأكد المركز أن العلاج النفسي لا يقل أهمية عن العلاج العضوي بل يعتبر جزءًا أساسيًا من الصحة المتكاملة، إذ يساعد على حل اضطرابات القلق والرهاب والوسواس القهري، والحد من اضطرابات المزاج لدى مرضى الاكتئاب والفصام، كما يمنح المريض القدرة على فهم مشاعره والتأقلم مع الأوضاع بطريقة صحية، والشعور بالتحسن تجاه حياته وحياة الآخرين المحيطين به. كما أن مريض الذهان، وهو حالة يفقد فيها الشخص التمييز بين الحقيقة والخيال ويعاني من أوهام وسماع أصوات ورؤية أشياء غير موجودة، يشكل خطرًا على نفسه ومن حوله، وتشير الأبحاث إلى أن نسبة مرضى الفصام عالميًا تبلغ 1% من السكان، أي أن مصر بها أكثر من مليون مريض فصام، بخلاف مرضى الاضطرابات الأخرى والإدمان، ما يجعل توفير الرعاية لهم واجبًا وطنيًا عاجلاً.

إن استمرار هذه الأوضاع دون معالجة جادة يفضي إلى آثار ممتدة، لا تقتصر على الأفراد المعنيين، بل تمتد إلى بنية المجتمع ككل، عبر تكريس أنماط من الهشاشة وعدم الاستقرار، وتآكل الثقة في فعالية مؤسسات العدالة والحماية، لذا فإن وجود إرادة سياسية وتشريعية واضحة، تضع كرامة الإنسان واستقرار الأسرة في قلب أولوياتها بشكل حقيقي وجاد ضرورة عاجلة لا تحتمل التأخير.

وفي الإطار، يؤكد المركز المصري:

  • ضرورة مراجعة الأطر القانونية والتنظيمية الحاكمة لمسائل النفقة، بما يضمن عدالتها وارتباطها بالمتغيرات الاقتصادية، ويكفل تنفيذها الفعلي.
  • تعزيز دور الدولة كمُلتزم وضامن لتنفيذ الأحكام القضائية، وعدم تركها رهينة لإمكانات الأفراد أو لتعقيدات الإجراءات.
  • حماية الحق في السكن الآمن للأمهات الحاضنات وأطفالهن، ومنع أي ممارسات تنطوي على تعسف أو إساءة في استخدام الحق.
  • إعادة النظر في سياسات تسعير خدمات الصحة النفسية، بما يضمن إتاحتها كخدمة أساسية لا يجوز تقييدها بعوائق مالية.
  • الإسراع في تعديل تشريعات الأحوال الشخصية، بما يعزز مبادئ العدالة والمساواة، وتضع مصلحة الأسرة والطفل في صدارة الاعتبارات.
  • فتح حوار مجتمعي شامل يضم الأطراف المعنية كافة، في سبيل الوصول إلى إصلاحات تشريعية ومؤسسية تعالج جذور الأزمة، وتؤسس لمنظومة أكثر عدالة وكفاءة في الحماية وصون الحقوق، واضعة مصلحة الأسرة والطفل في صدارة الاعتبارات.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى