بيانات المركز بيانات صحفية حقوق اجتماعية طاقة عدالة بيئية

عدالة بيئية | المركز المصري يرفض استخدام الفحم كمصدر بديل للطاقة – ورقة موقف

English Version

تقوم وزارة التجارة والصناعة حاليًا، وخلال الفترة الانتقالية، بدراسة إمكانية استخدام الفحم كمصدر بديل للطاقة، متجاهلة آثاره الضارة على البيئة والصحة العامة؛ ومن ثم يدين المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بشدّة هذه التوجّه لاستخدام الفحم كمصدر للطاقة في صناعة الاسمنت، ويطالب في هذا الصدد وزارة التجارة والصناعة والوزارات الأخرى إجراء عمليات تقييم دقيق لأثر استخدام الفحم، سواء على البيئة أو على صحة السكان المحليين، والنظر في اعتماد مصادر بديلة وأكثر أمانًا لتوليد الطاقة. ويحثّ المركز مختلف الوزارات وصناع القرار المعنيين على الاستماع لنداءات منظمات المجتمع المدني، ووزارة البيئة وغيرها من المؤسسات، التي أثارت هواجس جدّية متعلقة باستخدام الفحم كمصدر للطاقة.

خلفية

أعلنت حكومة الرئيس المخلوع محمد مرسي نيّتها لاستيراد الفحم لتشغيل صناعة الأسمنت في مصر بسبب نقص وعدم انتظام إمدادات الغاز الطبيعي[1]، هذا في حين أن الآثار البيئية والصحية لاستخدام الفحم كمصدر للطاقة تضع هذه التكنولوجيا القديمة موضع اعتراضات كبيرة اليوم. فقبل بضعة أسابيع، قامت “لافارج”، واحدة من أكثر الشركات المتعددة الجنسيات ربحية، باستيراد “٨ ملايين طن من الفحم”، بغياب أي موافقة حكومية. وقد قامت بوضع جبل من الفحم في ميناء الإسكندرية، ومن المتوقّع أن يتم نقله داخل مصر في شاحنات[2].

تصرّفات لافارج تأتي في خضم النقاش بين د. ليلى إسكندر، وزيرة البيئة، من جهة، ود. منير فخري عبد النور، وزير التجارة والصناعة، من جهة أخرى. فالدكتورة إسكندر تعارض استخدام الفحم كبديل نظرًا للتلوّث الكبير الذي يسببه. ومن ناحية أخرى، يؤيّد الوزير عبد النور ضرورة استخدام الفحم، لحماية صناعة الأسمنت من التقلّب في إمدادات الغاز الطبيعي[3]. وبينما يستمر الجدل على المستوى الوزاري وفي المجال العام، تستعد صناعات الأسمنت للانتقال إلى الفحم.

سعيًا للتمويل من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية (EBRD)، أشاد وزير التجارة والصناعة بأهمية استخدام الفحم كبديل للطاقة، من دون الأخذ بعين الاعتبار الآثار الاقتصادية والبيئية لمثل هذا الإجراء. وهذا القرار سيأتي بالنفع بالدرجة الأولى لمصلحة قطاع الأسمنت، خاصة في فترة لا يمكن فيها التكهّن بأسعار الغاز الطبيعي أو توافره. ومن المفترض أن يسهم الفحم في إيجاد حل لمسألة الطاقة في صناعة الأسمنت، التي تعتبر واحدة من أكثر الصناعات ربحية، والتي تستفيد باستمرار من أشكال مختلفة من الدعم الحكومي، خاصة على استهلاك الغاز الطبيعي والكهرباء.

ويمكن القول أن الإنفاق المستمر للغاز الطبيعي المدعوم لتشغيل صناعات الأسمنت يؤدّي إلى الهدر والإفراط في استهلاكه. وقد أدّى الاستهلاك العشوائي للطاقة المدعومة من قبل الصناعات إلى ​​معدلات استهلاك أعلى من المتوسط، أو ما يشار إليه بالإفراط في استخدام الطاقة، حيث تحتاج مصر وغيرها من الدول ذات الاستخدام الأقل كثافة للطاقة، إلى ما يفوق الـ٤٠٪ من الطاقة الإضافية لكل وحدة من الناتج الاقتصادي، مقارنة بدول أخرى ذات استخدام أقل كثافة للطاقة، كالدنمارك وإسبانيا[4]. لذا، فإن توجّه الصناعات نحو استخدام الفحم بأسعار السوق سيقلل من فقدان الطاقة الناتج عن توفير الدولة للغاز الطبيعي المدعوم للصناعات. لكن هذا، بدوره، يطرح تساؤلًا حول سبب استمرار الحكومة في توفير الغاز الطبيعي للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وبسعر مدعوم، الذي يسبب بدوره الإفراط في استهلاك الطاقة في الصناعة.

مع إنكار التكاليف البيئية والصحية لاستخدام الفحم، يدّعي وزير التجارة والصناعة أن هناك أساليب تقنية يمكن استخدامها لحماية البيئة من الآثار الضارة الناجمة عن الفحم. وحيث أن الوزارة قد فشلت حتى الآن في إعلان تفاصيل هذه الأساليب، وفي اعتبار الفحم من أكثر المواد تلويثًا حول العالم، حتى من قبل البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB)، وكذلك الصين والولايات المتحدة الأمريكية، فإن قرينة الإثبات تقع على عاتق وزارة التجارة والصناعة لإظهار الكيفية التي سيتم بها تجنّب الآثار الملوِّثة للفحم. وقبل أن يتم ذلك، فإن الإصرار على استخدام الفحم لن يكون دليلًا على العجز في الحكم الرشيد فحسب، حيث تفشل الوزارات في التواصل واتخاذ القرارات من أجل الصالح العام، ولكن من شأنه أيضًا أن يمثّل استمرارًا لسياسات مبارك، حيث تعمل الدولة لمصلحة نخبة من رجال الأعمال، وتتجاهل عواقب القرارات على الشعب.

لماذا ترفض وزارة البيئة وغيرها استخدام الفحم؟

من المناخ والصحة، إلى التكلفة الاقتصادية، قام مختلف المعارضين بإبزار كثير من التداعيات السلبية لاستخدام الفحم كمصدر بديل للطاقة.

أولًا، يؤدّي استيراد الفحم إلى تأثير رئيسي في التغيّر المناخي. فوفقًا لتقرير صدر مؤخرًا عن البنك الدولي في ٢٠١٢، سوف تؤدّي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض بحلول عام ٢١٠٠، بشكل قد يؤدي إلى تغييرات كارثية، بما في ذلك موجات من الحرارة الشديدة، وانخفاض المخزونات الغذائية العالمية، وارتفاع مستوى سطح البحر، مما يؤثر على مئات الملايين من الناس[5]. علاوة على ذلك، فإن محطات الطاقة المعتمدة على الفحم هي أكبر مصدر لانبعاثات ثاني أوكسيد الكربون التي يصنعها الإنسان، مما يجعل من طاقة الفحم أعظم تهديد منفرد يواجه المناخ على الكوكب. أما التغيّرات المناخية فتشمل الجفاف والفيضانات والنزوح الجماعي للسكان الناجم عن ارتفاع مستوى سطح البحر. بالإضافة إلى تغيّر المناخ، فإن للفحم أضرارًا أخرى دائمة على البيئة وصحة الناس والمجتمعات حول العالم.

ثانيًا، هناك تأثير استخدام الفحم على الصحة العامة. فبسبب انبعاث ثاني أكسيد الكربون وأكسيد النيتروجين والزئبق بمستويات عالية جدًا، يمكن للفحم أن يسبب الانسداد في الأوعية الدموية أو في الرئتين، وكذلك السرطان. كما أن لتسرب الزئبق إلى الماء أثناء غسل الفحم، له تأثير ضار على الأسماك وبالتالي على البشر[6]. ومع الأخذ في الاعتبار عدم كفاءة تدابير السلامة الذي تعاني منه الصناعات بشكل مستمر في مصر، فإنه ليس من المستبعد أن تعاني مياه النيل، مثلًا، من التلوّث بشكل سريع. بالإضافة إلى ذلك، ليس في مقدور المصريين تحمّل مزيد من الأعباء الصحية، حيث ستتكاثر الأمراض الجديدة وتصبح الرعاية الصحية الإضافية لازمة، بسبب الفحم. هذا في وقت يتدهور فيه مجموع الإنفاق العام على قطاع الصحة بشكل مقلق. ففي ٢٠١٠/٢٠١١ وصل الإنفاق إلى ٤.١٧٪ من الموزانة العامة، ثم انخفض إلى ٤٪ في ٢٠١١/٢٠١٢، ثم ارتفع إلى ٤.٣٣٪ في ٢٠١٢/٢٠١٣، وما لبث أن انخفض مجددا إلى ٤.٠٢٪ في ٢٠١٣/٢٠١٤. وإلى جانب التخفيضات في الميزانية، يتعرّض القطاع الصحي إلى الخصخصة على نحو متزايد، مما يشكّل عائقًا أمام الكثيرين الذين لا يستطيعون الدفع من جيبهم[7]. هذا يعني أن النظام الصحي الحالي لن يكون قادرا على استيعاب المزيد من الأمراض والأمراض، إذا كان الفحم لاستخدامها كمصدر للطاقة. وهذا يشير إلى أن القطاع الصحي الحالي لن يكون قادرًا على استيعاب المزيد من الضغوط التي ستظهر نتيجة لاستخدام الفحم كمصدر للطاقة.

ومن المتوقع أن تظهر كل هذه الآثار البيئية والصحية السلبية خلال سبع سنوات منذ البدء باستخدام الفحم، وستكون هذه بمثابة الكلفة الحقيقية للفحم. فالادعاء المستمر بإمكانية استخدام الفحم في سياق صديق للبيئة يبقى فاقدًا للدليل، وفي تجاهل مستمر للتكلفة الخفيّة والحقيقية لاستخدام الفحم على الصحة والتأثير السلبي على البيئة وقطاعي السياحة والزراعة.

ثالثًا، التحوّل نحو الفحم سيؤدّي إلى أعباء اقتصادية كبيرة. هذا لا يقتصر على غياب الإعداد اللازم لاستخدامه فحسب، بل كذلك بسبب غياب الدراسات عن الأسعار العالمية للفحم وكلفة تحوّل المصانع إلى استخدام الفحم. وهكذا يتم تجاهل الكلفة الاقتصادية لاستخدام الفحم. بالإضافة إلى ذلك، عندما تؤخذ التكاليف الإضافية في الصحة والمناخ بعين الاعتبار، فإن مصادر الطاقة المتجددة الآمنة للطاقة تصبح أقل كلفة بكثير من الوقود الأحفوري والفحم.

الطريق إلى الأمام: النظر في البدائل

هناك بالفعل حاجة ماسة لإعادة النظر في استراتيجية الطاقة في مصر، فالدعم الرجعي للطاقة يلتهم الجزء الأكبر من الميزانية السنوية العامة للدولة، ويأتي لخدمة الشركات والمستثمرين إلى حد كبير، بدلًا من استهداف من هم في أشد الحاجة للدعم. وفي هذا الصدد، لا مفر من خفض الإعانات للصناعات كثيفة استهلاك الطاقة كالأسمنت والزجاج وغيرها من الصناعات، وهو لن يقتصر على التخفيض الكبير في الفاتورة السنوية لدعم الطاقة فحسب، بل سيسهم في الحد من الإفراط في استهلاك الطاقة في هذه القطاعات. وقد أظهرت الدراسات، حتى المحافظة منها، أن هذه الصناعات عالية الربحية لن تتأثر من رفع الدعم عن الطاقة هذا[8].

كذلك، يمكن إعادة النظر في مسألة تصدير الغاز الطبيعي والقيام بإصلاحات في هذا المجال. فمصر تقوم بتصدير ثلث الغاز الطبيعي إلى تركيا والأردن وإسبانيا بأقل من الأسعار العالمية، في حين أن وزارة الكهرباء والطاقة مدينة بـ٦ مليارات دولار أمريكي لشركات استيراد الغاز بأسعار أعلى بكثير من سعر الاستيراد. لذلك، يدعو المركز المصري الحكومة المصرية لأن تقوم بمراجعة اتفاقيات الغاز الطبيعي التي أبرمتها مع الدول المستوردة وتعديل نظام الأسعار، حيث يقدّر خبراء أن ترتفع الإيرادات إلى ١٥ مليار دولار في السنة، في حال القيام بهذه المراجعات[9].

وهناك أيضًا مصادر بديلة للطاقة يمكن للحكومة استكشافها. فالدولة تستمر في إغفال المصادر البديلة للطاقة، وبالإضافة إلى إمكانية استخدام النفايات، يمكن استخدام المصادر المتجددة للطاقة. ومن ثم يدعو المركز المصري الحكومة إلى إجراء دراسة أساسية لاستخدام النفايات باعتبارها شكلًا من أشكال الطاقة[10]. فمصر تخرج أطنانًا من القمامة، تصل إلى ٩.٥ ملايين طن في القاهرة فقط سنويًا، يمكن استخدامها كمصدر للطاقة في بلدان أخرى[11]. وفي حين أن مصر تواجه مشكلة في إدارة النفايات، يمكن للنفايات أن تكون حلًا استراتيجيًا يستحق الاهتمام لمعالجة مشكلة الطاقة وإدارة النفايات، على حد سواء.

وعندما قيام وزارتا البيئة والتنمية المحلية بعرض هذا الاقتراح، أصر أصحاب شركات الأسمنت والمستثمرين على رفضه، بحجّة كلفته الباهظة. ويتم هذا التجاهل للبدائل بمؤازرة من وزارة التجارة والصناعة وغيرها من الهيئات الحكومية، مما يشكّل تهديدًا للصالح العام. فبالرغم من أن الكلفة المالية لن تختلف كثيرًا، فإن الكلفة الحقيقية للفحم هي في تدمير الصحة والبيئة، وليس سكان الأحياء حيث توجد مصانع الأسمنت فقط، بل في الضرر الكبير على المياه والهواء والصحة في البلد ككل، الذي سيستمر لأجيال.

وقد ظهرت حملات وطنية في مصر لمواجهة هذا التوجّه نحو الفحم، مثل حملة “مصريون ضد الفحم”، وظهرت حملات دولية، مثل “بنك أوروبي للتعمير والإنشاء خال من الفحم”، للضغط على البنك الأوروبي للامتناع عن تمويل مشروعات الفحم، تمامًا كما فعلت مصارف أخرى، ولا سيما البنك الدولي وبنك الاستثمار الأوروبي (EIB) [12].

في ضوء ذلك، يُعلن المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية رفضه للاستراتيجية المقترحة حاليًا حول استخدام الفحم كمصدر بديل للطاقة، ويدعو الدولة للنظر في بدائل هي بمتناول اليد، وذلك لتخطّي مشاكل الطاقة دون التسبب بتدهور صحي أو بيئي. كما يدعو المركز أيضًا أن تقوم الدولة بخلق قنوات لمشاركة المجتمع المدني والبيئيين، وغيرهم من أصحاب المصلحة، في عمليات صنع القرار، وذلك لضمان بقاء الصالح العام في أولوية صنع السياسات.

[divider]

لورقة الموقف  بصيغة بي دي اف .. مع روابط المصادر كاملة :

برجاء اعادة تحميل الصفحة اذا لم يظهر لك الملف المضمن

[divider]


[1] مدى مصر، “لا غاز، لا مشكلة، حكومة مرسي تطمئن الصناعة” (بالإنجليزية)، http://www.madamasr.com/content/no-gas-no-problem-morsi-govt-assures-industry (آخر اطلاع، ٢٥ نوفمبر ٢٠١٣).

[2] لا يزال المكان الذي نُقل إليه الفحم غير محدد، ولكن بعض المعلومات الصحفية تشي إلى حلوان، إما في مخازن لافارج أو مستودعات السويس للأسمنت.

[3] أحمد هوزين، عرض حول الأثر الاقتصادي للفحم، حملة مصريون ضد الفحم، ٢١ نوفمبر ٢٠١٣

[4] باسم فتوح ولورا القاطري، “دعم مالي للطاقة في العالم العربي”، تقرير التنمية الإنسانية العربية”، سلسلة أوراق بحثية، ٢٠١٢، برنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، http://www.arab-hdr.org/publications/other/ahdrps/Energy%20Subsidies-Fattouh&Katiri-Ar.pdf.

[5] البنك الدولي، “تقرير تغير المناخ يحذر من ارتفاع شديد في حرارة العالم هذا القرن”، ١٨ نوفمبر ٢٠١٢،

http://web.worldbank.org/WBSITE/EXTERNAL/EXTARABICHOME/NEWSARABIC/0,,contentMDK:23316721~pagePK:64257043~piPK:437376~theSitePK:1052299,00.html.

[6] حملة مصريون ضد الفحم، ٢١ نوفمبر ٢٠١٣.

[7] وثيقة الميزانية المعتمدة للسنوات المالية ٢٠١٠/٢٠١١ إلى ٢٠١٣/٢٠١٤،

http://www.mof.gov.eg/Arabic/%D8%B9%D9%86%D8%A7%D9%88%D9%8A%D9%86%20%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3%D9%8A%D9%87/pages/mowazna.aspx

[8] عبد الله خطاب، “أثر تخفيض الدعم على الطاقة على الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في مصر”، المركز المصري للدراسات الاقتصادية، ٢٠٠٧.

[11]الأهرام، “بيزنس القمامة يزدهر. الدخل اليومي للصغار بالمئات‏..‏ والكبار يملكون ١٥٠٠‏ شركة وورشة لتدوير المخلفات”، http://is.gd/tbQmtV

[12] Guay, Justin. “All Eyes on EBRD, Will It Go Coal Free?” The Huffington Post. http://www.huffingtonpost.com/justin-guay/all-eyes-on-ebrd-will-it_b_3751477.html (accessed November 25, 2013).

ضع تعليقا

اضغط للتغليق