حقوق اجتماعية حقوق اقتصادية

خالد علي يكتب: تشريعات لا يجب أن تمر

albedaiah

نشرت هذه المقالة على أجزاء في جريدة البداية


1. تشريعات لا يجب أن تمر

سينعقد مجلس النواب خلال الأيام القادمة، ومن المفترض أن يستهل أعماله بأن (يستعرض) و(يناقش) و(يوافق) على كل القوانين التي أصدرها رئيس الجمهورية قبل انعقاد المجلس، والتي تربو على (350) تشريع، وذلك خلال مدة خمسة عشر يوماً من بدء انعقاد المجلس نفاذاً لنص المادة 156 من الدستور، وإذا لم تعرض أو لم يوافق عليها مجلس النواب زال بأثر رجعى ما كان لها من قوة القانون، دون حاجة إلى إصدار قرار بذلك.

ومنذ انتخاب رئيس الجمهورية لم يتوقف الجدل حول سلطة الرئيس في إصدار التشريعات خاصة إذا كان مجلس النواب غير قائماً(لم يتم انتخابه وتشكيله) فهناك فريق يرى أن سلطته مقيدة وتستند إلى نظرية الضرورة بحيث لا يكون للرئيس إصدار تشريعات في مثل هذا التوقيت إلا إذا استدعت الضرورة ذلك، والضرورة تقدر بقدرها، وهو ما يعنى إصداره لعدد قليل من التشريعات وفقا للقواعد الدستورية التي أرستها المحكمة الدستورية العليا بشأن تلك النظرية، وليس هذا العدد الهائل من التشريعات والذى وصفه البعض ب (الاسهال التشريعي)، في حين يرى فريق آخر أن المادة 156 منحت رئيس الجمهورية سلطة مطلقة وعصفت بنظرية الضرورة التي كانت بدستور 1971، وأرى أن هذا الجدل إيجابي ومحاولة لفهم وتفسير نص المادة 156 من الدستور وعلاقتها بصلاحيات رئيس الجمهورية، ولن يُحسَم إلا عبر أحكام من المحكمة الدستورية العليا ابان تحول هذا الجدل الفقهي إلى نزاع قضائي أمامها.

وبغض النظر عن وصف تلك التشريعات بالضرورة من عدمه فكل ما أصدره رئيس الجمهورية من قوانين يجب عرضه على مجلس النواب خلال 15 يوماً (عرضا ومناقشة وموافقة) وهو ما يطرح عدة تساؤلات جوهرية:

  • هل يستطيع مجلس النواب مناقشة كل هذا العدد من التشريعات مناقشة حقيقية خلال تلك المدة؟
  • هل يحق لمجلس النواب تجاوز مدة ال 15 يوماً لتكون هناك مناقشة حقيقية أم أن المدة قاطعة وسوف يترتب على تجاوزها زوال ما لهذه التشريعات من قوة القانون، وبأثر رجعى؟
  • هل إرادة أغلبية النواب سوف تتجه لعرضها كحزمة واحدة والموافقة عليها دون مناقشة حقيقة؟ 
  • هل سيتم عرض أغلب تلك التشريعات عرضا شكلياً واقتناص الموافقة بشأنها على أن يتم انتقاء عدد قليل من التشريعات ومناقشتها بشكل حقيقي خلال تلك المدة؟

أيا كانت التوقعات التي سينحاز كل منا إليها في الاجابة على تلك الأسئلة، والتي تنطلق حتما من تحليله للمشهد السياسي أو من أمنياته التي يرجوا تحقيقها فمن المؤكد أن أي قرار سيصدر من مجلس النواب في هذا الصدد سيكون له آثار دستورية وسيخلق جدلاً فقهياً وقانونياً وسياسياً وربما سيتحول إلى نزاعات قضائية.

كما أن طريقة تعامل مجلس النواب مع هذا الحدث الهام والجوهري سوف يساهم في رسم صورة ذهنية عن مدى جدية وجدارة هذا المجلس بتمثيل طوائف الشعب في هذه المرحلة بالغة الأهمية والخطورة، فربما لا يعي البعض أن هذا المجلس بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا على طريقة انتخاباته، أو المجال العام الذى أجريت فيه هذه الانتخابات، أو الاسماء التي أعلن نجاحها، أو الدور الذى لعبته أجهزة الدولة من أجل الوصول لهذه النتيجة فقد أضحى مصير النظام الحاكم بكل مؤسساته معلقاً على نجاح أو إخفاق هذا المجلس في الاعلان الفعلي والواقعي عن ميلاد سلطة تشريعية حقيقية غير تابعة أو خانعة للسلطة التنفيذية مهما كانت محاولاتها للتحكم فيه أو السيطرة عليه. فالوضع لا يحتمل أن يظل مسار الحكم فردياً على هذا النحو كما لا يحتمل أن تصبح السلطة التشريعية مجرد واجهة للديمقراطية في صورتها الشكلية فدور السلطة التشريعية ليس شرعنة ما أصدرته السلطة التنفيذية من قوانين أيا كان قدر إخلالها بحقوق المواطنين أو حرياتهم أو بموازين القوى الاجتماعية والسياسية أو بالعصف بمبدأ الفصل بين السلطات الثلاثة وبمرونة العلاقة التشابكية بينها وبتوازنها، وإنما دور السلطة التشريعية أن تكون صوتاً لهذا الشعب بكل أطيافه وألوانه السياسية والفكرية والدينية والعرقية، وأن تكون حامية لنصوص الدستور من العدوان عليه أو الانتقاص منه أو افراغه من مضمون وجوهره وألا تقف موقف المتفرج من تحويله لكلمات خاوية منزوعة القيمة والفاعلية، وألا تكون رجع صدى لخطابات إعلامية سطحية وبلهاء أو لرغبات سلطوية لأفراد أو مؤسسات تظن أنها قادرة على إعادة انتاج التاريخ في أقبح صوره.

لذلك فالأمر يتجاوز فكرة عرض ومناقشة تلك التشريعات بشكل حقيقي من عدمه إلى جوهر وحقيقة السلطة التشريعية والطريق الذى ترسمه لنفسها في معادلة حكم هذه البلاد، وعلى النواب أن يختاروا إما أن يكونوا مجرد ممثلين للسلطة التنفيذية والتي لن تتوانى عن التضحية بهم جميعاً في أول أزمة سياسية أو اجتماعية تواجهها وتستلزم هذا الاجراء، وإما أن يكونوا ممثلين للشعب ومعلنين عن ميلاد سلطة تشريعية تمارس دورها الرقابي والتشريعي على نحو حقيقي وموضوعي يليق بعظم المسئولية والطموحات وبحجم التحديات والمخاطر.

2.  من التصالح مع المستثمرين لـ المزايدات والمناقصات

ربما نجحت قطاعات من القوى الشبابية والسياسية في تسليط الضوء على خطورة عدد من التشريعات التي صدرت قبل تشكيل مجلس النواب شأن التظاهر أو الخدمة المدنية…الخ لكنني اخترت في هذا المقال أن أسلط الضوء على خطورة حزمة من التشريعات الاقتصادية التي رسمت طريقا لحماية الفساد من ناحية، ومن أخرى لمنع وتحجيم الرقابتين الشعبية والقضائية على العقود الادارية التي تحررها الدولة مع المستثمرين وجميعها تقع على المال العام أو المال المملوك للدولة ملكية خاصة، لأن دعوات جذب الاستثمار أضحت حقا يراد به باطل، وأثرت على السلطة التنفيذية حتى نجحت في استصدار تشريعات أصابها الشطط والجموح وتجسد مقولة أن (الاستثمار سيد قراره) لتكون كافة عمليات الاستثمار وتحرير تلك العقود وكافة المنازعات التي تتعلق بها في غرف مغلقة وبعيدة كل البعد عن معايير الشفافية والافصاح وتقتصر على طرفي العقد دون تمكين المجتمع من رقابتها أو اللجوء للقضاء بشأنها. فمنذ ثورة 25 يناير وملف المال العام في علاقته بالمستثمرين، وحدود رقابته قضائيًا ومجتمعيًا يشهد تغيرات حادة، ومنهجية، تنم عن سلوك قصدي ليس فقط على صعيد الممارسة السياسية أو الإعلامية ولكن أيضًا على الصعيد الدستوري والقانوني، وسوف نتناول أبرز التدخلات التشريعية في هذا الشأن، وفقًا لتسلسلها الزمنى، ومن ذلك:

(أولاً) في 3 يناير 2012 أصدر رئيس المجلس العسكري المرسوم بقانون 4 لسنة 2012[1] حيث أتاح التصالح مع المستثمر في الجرائم المنصوص عليها في الباب الرابع من الكتاب الثاني من قانون العقوبات[2] التي ترتكب منه بصفته أو بشخصه أو التي اشترك في ارتكابها في نطاق مباشرته لأنشطة الاستثمار، ويجوز التصالح في أي حالة تكون عليها الدعوى الجنائية قبل صدور الحكم البات[3] فيها شريطة أن يرد المستثمر كافة الأموال أو المنقولات أو الأراضي أو العقارات محل الجريمة، أو ما يعادل قيمتها السوقية وقت ارتكاب الجريمة إذا استحال ردها العيني، فضلًا عن تنفيذ العقوبات المالية المقضي بها. وفى هذه الحالة تنقضي الدعوى الجنائية بالنسبة للمستثمر فقط ولا يمتد الانقضاء لباقي المتهمين معه في ذات الواقعة.[4]

كما أنشئ المرسوم[5] لجنة – تشكل بقرار من رئيس مجلس الوزراء- لتسوية المنازعات التي تنشأ عن العقود المبرمة بين المستثمرين والجهات التابعة للدولة تكون مهمتها بحث ما يثار من منازعات بين أطرافها بشأن تلك العقود، وفى حالة وصول اللجنة مع الأطراف إلى تسوية ودية ونهائية تكون تلك التسوية واجبة النفاذ وملزمة بعد اعتمادها من مجلس الوزراء.

وبالتالي فإن هذا المرسوم أتاح للمستثمرين ارتكاب جرائم جنائية كاختلاس المال العام والعدوان عليه أثناء ممارستهم لنشاطهم الاستثماري وفى حالة اكتشافها يجوز لهم التصالح وكل ما عليهم فقط هو رد تلك الأموال، ولم يشترط القانون توافر حسن النية لدى المستثمر كشرط للتصالح، كما جاءت لجنة فض منازعات الاستثمار بين أطراف العقود الإدارية لتجعل تلك المنازعات بعيدة عن علنية الجلسات بالمحاكم. وإن كان هذا المرسوم على هذا النحو يحمى الفساد ولكن لا يحد من حق المواطنين في الطعن على عقود الدولة بمفرده، إلا أنه جاء كخطوة تمهيدية لوضع نظام قضائي خاص بمنازعات الاستثمار يحد وينال من رقابة القضاء والمجتمع على عقود الدولة، وهذه الصورة لن تكتمل وتتضح معالمها إلا بباقي التعديلات التي أدخلت على القوانين الأخرى، والتي سنتناولها في العناصر التالية.

(ثانياً) في 11 سبتمبر 2013 أصدر الرئيس المؤقت عدلي منصور القرار بقانون 82 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانون المزايدات والمناقصات رقم 89 لسنة 1998، وبموجب المادة الأولى من هذا التعديل أسقط تطبيق قانون المزايدات والمناقصات على الهيئات العامة الخدمية منها والاقتصادية التي تضمنت قوانين أو قرارات إنشائها أو تنظيمها أو اللوائح الصادرة عن تلك القوانين والقرارات قواعد تتعلق بإجراءات البيع والشراء.

وجاء هذا التعديل بعد أن أصدرت محاكم القضاء الإداري والإدارية العليا العديد من الأحكام وأرست مبادئ بأن القانون 89 لسنة 1998 هو القانون الواجب النفاذ على كافة عمليات البيع والشراء والايجار التي تقوم بها وحدات الجهاز الإداري للدولة –من وزارات ومصالح وأجهزة لها موازنات خاصة- وعلى الإدارة المحلية، وعلى الهيئات العامة خدمية كانت أو اقتصادية. واستنادًا لهذا القانون صدرت أحكام بطلان عقد بيع أرض مدينتي، وأرض بالم هيلز، وكافة شركات الخصخصة، وبالتالي جاء التعديل 82 لسنة 2013 الذى أصدره المستشار عدلي منصور ليسمح لتلك الهيئات بالإفلات من تنفيذ قانون المزايدات والمناقصات، بزعم أن لديها قواعد للمزايدات والمناقصات بقوانين أو قرارات إنشائها أو اللوائح التنظيمية لها، وقد ساهم هذا التعديل في تضييق الرقابة الشعبية على تلك العقود ، وتضييق فرص نجاح الطعون القضائية على العقود الإدارية التي تم تحريرها سابقًا بالأمر المباشر، فالتعديل في حد ذاته يعطى رسالة تسمح بوصف قانون المزايدات والمناقصات بأنه قانون بيروقراطي يعوق الاستثمار مما أجبر المشرع على التدخل لتعديله، ومن ثم يفتح الباب للادعاء كذباً بأن الخروج عليه -حتى في حالات التعاقد بالأمر المباشر- لم يكن بسوء نية ولكن كان لضرورات حماية الاستثمار وجذب رؤوس الأموال.

كما ساهم هذا التعديل في منع تطبيق قانون المزايدات والمناقصات عن كافة الهيئات شأن هيئة المجتمعات العمرانية، وهيئة التنمية الزراعية، وهيئة التنمية السياحية، وهيئة الثروة المعدنية… الخ.

رغم أنه كان يتضمن قواعد موحدة وتفصيلية لتلك الإجراءات تضمن الشفافية والعلانية وتكافؤ الفرص والتنافسية، وفتح هذا التعديل الباب لوضع قواعد متباينة لإجراءات المزايدات والمناقصات تختلف من قانون لآخر ومن قرار لآخر ومن لائحة تنظيمية لأخرى، وجعلها لا تتسم بالثبات فالقرارات الإدارية واللوائح التنظيمية من السهل تبديلها وتغييرها لأن ذلك يتم بقرار من الوزير أو رئيس الوزراء عكس القانون الذي يستلزم تعديله موافقة مجلس النواب عليه فضلًا عما يمثله ذلك من تغييب للرقابة البرلمانية والمجتمعية على قواعد المزايدات والمناقصات بتلك الهيئات وطرق إجراء التعديلات عليها وجوهر تلك التعديلات.

3.  حماية الفساد من تحصين عقود الدولة وحتى فض منازعات الاستثمار

تناولنا في المقالات السابقة المرسوم بقانون 4 لسنة 2012 الذى أتاح التصالح مع المستثمر في الجرائم الجنائية، وكذا القرار بقانون 82 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانون المزايدات والمناقصات رقم 89 لسنة 1998 الذى سمح بالتهرب من تطبيق نصوصه القانون الأخير على الهيئات العامة الخدمية منها والاقتصادية، سوف نتناول في هذا المقال:

(ثالثاً) أحد أخطر تلك التشريعات التي مثلت انقلاباً في حقوق الرقابة المجتمعية والقضائية على عقود الدولة فإن كان صدوره بزعم تنظيم الطعن على عقود الدولة إلا أن حقيقته هي تحصين عقود الدولة من الطعن عليها والذى أصدره المستشار عدلي منصور أثناء إدارته المؤقتة لشئون البلاد في 22 أبريل 2014 برقم 32 لسنة 2014 وقد نصت المادة الأولى من هذا القانون على قصر حق الطعن على العقود الإدارية وقرارات تخصيص العقارات على أطراف التعاقد دون غيرهم، وبالتالي لا يجوز لأي مواطن لم يكن طرفًا في العقد أو قرار التخصيص أن يطعن على تلك العقود والقرارات إلا في إحدى حالتين فقط:

  1. الحالة الأولى: أن يكون لهذا المواطن حقوق عينية أو شخصية على الأموال محل التعاقد.
  2. الحالة الثانية: بعد صدور حكم بات (حكم نقض) بإدانة طرفي التعاقد أو أحدهم بارتكابه جريمة الرشوة أو اختلاس المال العام والعدوان عليه أو الغدر به، وكان العقد قد تم إبرامه بناء على تلك الجريمة.

أما دون ذلك فلا يحق لأي مواطن الطعن على هذه العقود، وهو ما يعنى ليس فقط منع الرقابة الشعبية على تلك العقود، ولكن أيضًا منع مجلس الدولة المصري من بسط رقابته على تلك العقود إلا في الحالتين السالف ذكرهما، وبالتالي لا يجوز لأى مواطن ليس طرفًا في العقد الإداري أو قرار التخصيص أو ليس له حق شخصي أو عيني على المال محل التعاقد رفع أي دعوى لوقف تنفيذ تلك العقود أو القرارات وإلغائها إلا إذا صدر حكم جنائي بات ضد طرفي التعاقد أو أيهما يفيد بارتكابه جريمة رشوة أو اختلاس مال عام أو العدوان عليه أو الغدر به وكان العقد قد تم إبرامه بناء على تلك الجريمة.

وهو ما يفيد منع كافة المواطنين أيا كانت صفاتهم من رفع تلك الدعاوى طالما لم تتوافر بهم الشروط الواردة بتلك المادة.


اقرأ تغطية مؤتمر "ضد قانون 32" بحضور ممثلين عاملين ونقابات
اقرأ تغطية مؤتمر “ضد قانون 32” بحضور ممثلين عاملين ونقابات

أما الدعاوى التي رفعها العمال والمواطنون قبل إصدار هذا القانون فقد تم تطبيقه عليها بأثر رجعى حيث نصت المادة (2) على أنه مع عدم الإخلال بالأحكام القضائية الباتة على المحاكم أن تقضي من تلقاء نفسها بعدم قبول الدعاوى أو الطعون -التي ما زالت تنظرها- وتتعلق بتلك القضايا طالما لم تتوافر فيها الشروط الواردة بالمادة الأولى[1] بما يفيد أن كل الدعاوى التي مازالت تنظرها المحكمة الإدارية العليا أو محكمة النقض ولم يصدرا أحكامًا بشأنها يكون على جميع المحاكم من تلقاء نفسها أن تقضي بعدم قبول هذه الدعاوى لرفعها بغير الطريق الذي رسمه المشرع ولو لم يطلب الخصوم ذلك وهو ما دفع القضاء الإداري للحكم بعدم قبول دعوى بطلان عقد بيع أرض توشكي استنادا لهذه النصوص رغم أن تقارير هيئة مفوضي المحكمة التي تم إعدادها قبل هذا القانون كانت توصى ببطلان عقد بيع تلك الارض.

وبالتالي فإن المادة الأولى من هذا القانون تكفلت بحظر الطعن على تلك العقود من اليوم التالي لتاريخ إصدار التشريع، أما المادة الثانية فقد تكفلت بإفساد كافة الدعاوى التي ما زالت منظورة أمام القضاء ولم يصدر حكم بات بشأنها حتى لو كانت مرفوعة قبل صدور هذا التشريع.

ومن الجدير بالذكر أنه في الاسبوع التالي لصدور هذا القانون، وأثناء نظر إحدى دعاوى الطعن على عقود الدولة وتحديدا عقد بيع شركة نوباسيد طعنا أمام القضاء الإداري بعدم دستورية هذا القانون فمنحتنا المحكمة في نفس الجلسة تصريحاً بالطعن على هذا القانون أمام المحكمة الدستورية العليا ومازلنا في انتظار انتهاء مفوضي المحكمة الدستورية من إعداد تقرير بشأن هذا الطعن وعرض الأمر على المحكمة.

(رابعاً) في 12 مارس 2015 صدر قانون الاستثمار الجديد رقم 17 لسنة 2015 حيث تضمن الباب السابع من هذا القانون ثلاثة فصول تنظم قواعد وإجراءات تسوية منازعات الاستثمار حيث أنشئ لجان للتظلمات بالفصل الأول[2]، وفى الفصل الثاني[3] أنشئ لجنة وزارية لفض منازعات الاستثمار وجعل قرارات تلك اللجنة نهائية بعد اعتمادها من مجلس الوزراء دون الاخلال بحق المستثمر في اللجوء للقضاء إن لم يعجبه قرار اللجنة، وفى الفصل الثالث[4] أنشئ لجنة وزارية بعضوية أحد نواب رئيس مجلس الدولة[5] لتسوية منازعات عقود الاستثمار التي تكون الدولة أو إحدى الهيئات التابعة لها عامة أو خاصة طرفًا فيها، وأتاح لهذه اللجنة بحث ودراسة كافة المنازعات الناشئة بين أطراف عقود الاستثمار، ولهذه اللجنة إجراء التسويات اللازمة لمعالجة الاختلالات بتلك العقود ومد الآجال أو المدد أو المهل المنصوص عليها فيها، كما تتولى إن لزم الأمر جدولة المستحقات وتصحيح الإجراءات السابقة على إبرام العقود، وتعرض اللجنة تقريرًا بما تتوصل إليه بشأن حالة التسوية على مجلس الوزراء يبين جميع عناصرها وتكون تلك التسوية واجبة النفاذ وملزمة بعد اعتمادها من مجلس الوزراء.

وبالطبع ليس في القانون ما يحرم المستثمر من اللجوء للتحكيم إن كان هذا الشرط وارد بالعقد رغم عرض الأمر على اللجان السالف بيانها.

والملاحظ أن تشكيل تلك اللجنة، ونظام عملها سيصدر به قرار من رئيس مجلس الوزراء، وبالتالي ليس هناك ما يمنع أن تكون أغلبية تلك اللجنة من غير القضاة، ورغم ذلك لها صلاحيات واسعة وبالغة الخطورة.

4. لماذا نجحت تونس في استرداد ثروتها المهربة وفشلت مصر

أحدثت التشريعات والتعديلات السالف بيانها بالمقالات السابقة ستة تغيرات جوهرية في شأن الرقابة المجتمعية والقضائية على عقود الدولة، هى :

  1. 1أتاحت للمستثمر التصالح مع الدولة حتى لو كان قد ارتكب جرائم باختلاس المال العام أو العدوان عليه أو الغدر به أثناء نشاطه الاستثماري حتى لو صدر ضده حكم بإدانته من محكمة الجنايات طالما أنه لم يصدر حكم بات بشأن هذه الجريمة من محكمة النقض، ولم تشترط مثلاً توافر حسن النية لدى المستثمر حتى يكون هذا التصالح نافذاً .
  2.  أوقفت تطبيق قانون المزايدات والمناقصات على الهيئات العامة الخدمية منها أو الاقتصادية وفتحت الباب لتعدد قواعد البيع والشراء واختلافها من هيئة لأخرى طبقا لقانونها أو قرار انشائها وهو ما يسمح بعدم ثبات تلك القواعد وبإمكانية تغييرها بقرارات إدارية ودون العرض على مجلس النواب.
  3.  وضعت تلك التعديلات نظامًا إداريًا لمنازعات الاستثمار التي تقع بين طرفي العقد، ومنحت تلك اللجان الإدارية صلاحيات واسعة بما يقلص من مساحات رقابة القضاء وينال من قواعد الشفافية والافصاح.
  4. أوقفت حق المواطنين من خارج أطراف العقود الإدارية في الطعن على تلك العقود فساوت بذلك بين العقد الاداري الذى يقع على أموال الشعب (المال العام أو المال المملوك للدولة ملكية خاصة) وبين العقد المدني الذى يقع على المال الخاص الملوك للأفراد بالرغم من الاختلافات الجوهرية بين طبيعة العقدين ومحلهما وآثارهما.
  5.  ألزمت المحاكم بالحكم بانقضاء الدعاوى التي مازالت منظورة أمامها، ولم يصدر بها حكم بات حتى لو كانت مرفوعة قبل صدور القانون رغم أن الأثر الرجعى لأى تشريع يحتاج لموافقة أغلبية ثلثي مجلس النواب عملاً بنص المادة 225 من الدستور.
  6. قلصت رقابة القضاء وجعلتها مقيدة بثلاثة حالات فقط، ويتم اختزالها في حالة واحدة من الناحية العملية، وذلك على النحو التالي:
    1. الحالة الأولى: إن كان لأي مواطن حقوق عينية أو شخصية على المال محل التعاقد، ولم يكن من أطراف العقد.
    2. الحالة الثانية: إن لجأ أحد أطراف التعاقد للقضاء.
    3. الحالة الثالثة: إن صدر حكم جنائي بات من محكمة النقض بارتكاب طرفي التعاقد أو أحدهما جرائم الرشوة أو اختلاس المال العام أو العدوان عليه أو الغدر به وكان العقد قد تم ابرامه بناء على تلك الجرائم.

ولو وضعنا في الاعتبار المرسوم بقانون 4 لسنة 2012 الذي أتاح التصالح في هذه الجرائم قبل صدور حكم بات، فإذا تم التصالح فعلًا فلا يجوز لأى مواطن اللجوء للقضاء استنادًا لهذه الحالة لكونها معلقة على شرط صدور حكم جنائي بات، وإن لجأ أي مواطن من غير أطراف العقد للطعن على العقد رغم التصالح في الجرائم الجنائية قبل صدور حكم جنائي بات بشأنها فإن المحكمة ملزمة بالحكم بعدم قبول الدعوى لرفعها بغير الطريق القانوني، وكل ذلك يفيد أن المواطنين من خارج أطراف العقد لهم من الناحية العملية حالة وحيدة للطعن على تلك العقود وهي تمتع رافع الدعوى بحقوق شخصية أو عينية على المال محل التعاقد.

كل ذلك يجعلنا نجزم بأن التشريعات التي صدرت بعد ثورة 25 يناير والتعديلات الدستورية السارية الآن تحد من رقابة المجتمع والقضاء على العقود الإدارية، وتفرض سياجًا على العقود التي أبرمت قبل الثورة رغم كل ما يكتنف إجراءاتها وبنودها من عوار أو بطلان أو إهدار متعمد للمال العام، وتحول دون استراد الأموال المنهوبة، وبدلًا من أن تضع إطارًا قانونيًا يضمن العلانية والشفافية وتكافؤ الفرص والتنافسية تضع إطارًا يضمن السرية ويكرس الوضع القائم / القديم، رغم أنه يفتقد للعدالة والمساواة ويحرض على الاحتكارية والإفلات من العقاب، وكل ذلك يمثل بيئة خصبة للفساد. وربما مثل تلك التشريعات التي أصدرتها السلطات التنفيذية المتعاقبة توضح لنا لما نجحت تونس بعد مرور أربعة سنوات من ثورتها في استرداد 22 مليار يورو من ثروتها المهربة، في حين فشلت مصر في استرداد تلك الأموال بل وأعادت مصر إنتاج من استولوا عليها وأصبحوا متصدرين الآن للمشهد السياسي والاقتصادي والإعلامي.

فهل سيتوقف مجلس النواب أمام تلك التشريعات ويتناولها بالعرض والنقاش والتصويت عليها مادة مادة أم ستعرض شكلياً كحزمة واحدة والموافقة عليها دون نقاش حقيقي، فالطريق مفتوح أمام مجلس النواب لتحديد موقعه في معادلة حكم هذه البلاد.


هوامش:

[1] المادة 25 من دستور 2014 تشرط حتى في حالة وجود برلمان ألا يتم إصدار قانون يمكن تطبيقه على الوقائع التي تمت قبل إصداره (أثر رجعي) إلا بموافقة أغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب لما لهذا الأثر من مخاطر جمة تستدعى توافر نسبة خاصة.

[2] *المواد من 101 حتى 103 من قانون الاستثمار الجديد

[3] *المواد من 104 حتى 107 من قانون الاستثمار الجديد

[4] *المواد من 108 حتى 110 من قانون الاستثمار الجديد

[5] * تشكيل تلك اللجنة ونظام عملها سيصدر به قرار من رئيس مجلس الوزراء وبالتالي ليس هناك ما يمنع أن تكون أغلبية تلك اللجنة من غير القضاة ورغم ذلك لها صلاحيات واسعة وبالغة الخطورة