الحكومة تطعن على حكم قضائي بمنع تلويث النيل بمخلفات الصرف الصحي والصناعي.. و”المركز المصري” يتساءل عن الأسباب (ورقة موقف)
غير مصنف

الحكومة تطعن على حكم قضائي بمنع تلويث النيل بمخلفات الصرف الصحي والصناعي.. و”المركز المصري” يتساءل عن الأسباب (ورقة موقف)

English version

في الوقت الذي تجري فيه الإعدادت لمؤتمر المناخ “COP27″، مازالت الحكومة متمسكة بطعنها على حكم محكمة القضاء الإداري بأسوان، في الدعويين 1685 لسنة 4 ق، و4652 لسنة 4 ق، بإلزام الحكومة باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع تصريف مخلفات الصرف الصحي والصناعي في مخر السيل بأسوان، ومنها في نهر النيل، وما يترتب على ذلك من آثار أخصها الوقف الفوري لأسباب التلوث وإزالتها، ولم يتم تحديد جلسة لطعن الحكومة حتى الآن.

ويستنكر محامو وحدة التقاضي من أجل الحقوق البيئية في المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية الطعن الذي تقدمت به الحكومة على الحكم الذي نص أيضًا على رفض الدعوى الفرعية المقدمة من وزير الري والموارد المائية ومحافظ أسوان بصفتيهما.

الدعويان، اللتان تقدم بهما عدد من مواطني محافظة أسوان في وقت سابق، عن طريق ممثلهم القانوني حمدي الحرزاوي وكيل نقابة المحامين بالمحافظة، اختصمتا كل من؛ رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ووزراء الإسكان والري والبيئة والمالية، ومحافظ أسوان، ورئيس مجلس إدارة الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، ورئيس مجلس إدارة شركة مياه الشرب والصرف الصحي بأسوان، ورئيس مجلس إدارة الشركة المصرية للصناعات الكيماوية “كيما” بصفاتهم جميعا.

ووفقا لحيثيات الحكم – الصادر في 28 فبراير 2021 – طالب المدعون بالحكم بصفة مستعجلة بوقف صرف مياه الصرف الصحي غير المعالج من مواسير مصب مخر السيول المسمى “ترعة كيما” إلى مصب نهر نهر النيل، من ناحية مدخل مدينة أسوان بجوار مصنع الكوكاكولا.

وأوضحت الدعويان – المقامتان منذ عامي 2016 و2017 – أن المدعى عليهم لم يعبئوا بالتأثير الصحي والبيئي لهذه المواد الصلبة ومسببات السرطان التي تحتوي عليها، مصرين على صرفها مباشرة في عمق النيل، ما تسبب في تفشي الأمراض والأوبئة بين مواطني المحافظة، وأبرزها الفشل الكلوي، بينما قدموا شكاوى إلى المدعى عليهم إلا أنهم لم يحركوا ساكنا.

ووفقا للحيثيات، تحول مخر السيول بعد غلقه إلى مصب للنفايات بلع حجمها 120 ألف متر مكعب يوميا، ومنها إلى نهر النيل، وسبق ذلك إقامة الدعوى 14 لسنة 1996، مسعجل أسوان بطلب إثبات حالة مخر السيول والجهات الملوثة له، وانتدبت المحكمة خبيرا أثبت في تقريره الجهات المسؤولة عن هذه الجريمة، وتأيد الحكم بالاستئناف رقم 40 لسنة 1998 مدني مستأنف إلا أن المدعى عليهم واصلوا المماطلة والتسويف.

وبالرغم من حصول المواطنين علي وعد بحل المشكلة بحد أقصى نهاية مارس 2017 وهو ما لم يحدث، وهو ما يعد خرقا صريحا لأحكام الدستور والقانون 48 لسنة 1982 في شأن حماية نهر النيل، ووثيقة حماية نهر النيل الموقعة في 23 أبريل 2015.

وأشارت المذكرة المقدمة من مدير هندسة الري بأسوان إلى تعدي شركة المياه والصرف الصحي على منافع الري بوضع مواسير في المجرى المائي لمصب مصرف مخر السيل الرئيسي بأسوان بالبر الأيمن لنهر النيل، وغلق المخرج فوق المواسير بألواح الصاج، دون اتخاذ الإجراءات اللازمة، ودون استخراج التراخيص من الإدارة العامة للري والإدارة العامة لحماية وتطوير نهر النيل، وكذلك صرف مخلفات صرف صحي غير معالج في مخر السيل من محطة “ك 5.500″، ومحطة كيما (1 ، 2)، ومحطة الجزيرة (5)، ومحطة كيما (7)، ومحطة الناصرية. وحررت هندسة الري بأسوان عن تلك الوقاع عددا كبيرا من محاضر المخالفات والإزالة، المؤرخة بأعوام 2014، 2015، 2016، 2017.

كما ثبت من التقرير المعد بمعرفة جهاز شؤون البيئة بتاريخ 13 أبريل 2017، أن محطة الرفع رقم 10 تجمع مياه الصرف الصحي والصناعي من شركة كيما وعدد من المناطق السكنية المحيطة، لصرفها في مصرف السيب مباشرة في أوقات الذروة لوجود عيوب فنية في المحطة.

وفي سابقة قضائية تعد الأولى من نوعها، انتقلت المحكمة بكامل أعضائها لمعاينة مصرف السيل على الطبيعة بطول 8 كيلو مترات من الجنوب للشمال، تطبيقا لقانون الإثبات، رافضة إسناد الأمر لأي جهة فنية أو لمكتب الخبراء، حتى تطمئن إلى صحة حكمها، وتأكدت الوقائع السابقة من خلال المعاينة التي أجرتها المحكمة.

وأوضحت المحكمة أن امتناع الإدارة عن التدخل علي النحو الذي نص عليه القانون يشكل قرارا سلبيا مخالفا يستنهض ولاية الإلغاء المعقودة لقضاء مجلس الدولة، ما يعدو معه الدفع بعدم اختصاص المحكمة ولائيا بنظر الدعوى في غير محله متعينا رفضه.

وشددت على أن الدستور المصري نص على التزام الدولة بحماية النيل وعدم تلويث مياهه أو التعدي على حرمه أو الإضرار بالبيئة النهرية، فضلا عن حق المواطن في صحة وماء نظيف، كما ينص القانون 48 لسنة 1982 على حظر صرف أو إلقاء المخلفات في مجاري المياه، مع إجراء تحليل دوري لعينات المخلفات المعالجة في المنشآت المرخص لها بالصرف في مجاري المياه تحت مسؤولية وزارة الصحة، وإذا تبينت مخالفتها للمعايير تمنح المنشأة 3 أشهر لاتخاذ وسيلة لعلاجها، وإذا تبين أن العينات تمثل خطرا فوريا على تلوث مجاري النيل، يخطر صاحب الشأن بإزالة مسببات الضرر فورا.

وتابعت المحكمة أنه هالها استمرار تقاعس المسؤولين بالجهات الإدارية المدعى عليها عن إنفاذ القانون واستمرار هذه المخالفات الجسيمة منذ ما يزيد على 20 عاما، والاكتفاء بتحرير محاضر المخالفات وقرارات الإزالة دون تنفيذ.

وشددت على أن مسلك جهة الإدارة الطعين بالامتناع عن وقف وإزالة أسباب المخالفات المسببة لتلوث نهر النيل، مخالفا لأحكام الدستور والقانون، مشوب بعيب الإساءة والانحراف في استعمال السلطة، إذا ابتغى غايات لا تمت للمصلحة العامة بصلة، ولا تتعادل مع غايات ومصالح أخرى للمجتمع هي أولى وأجدر بالرعاية، كما يكلف خزانة الدولة أموالا طائلة لتقديم الخدمات الصحية والرعاية الطبية للرضى جراء هذا التلوث.

كما أشارت إلى أن الحفاظ على الماء واجب وطني، وبوجه خاص في أكبر مصادره وهو نهر النيل، ليس لإحياء الأرض وحدها أو إنمائها، بل لضمان الحد الأدنى من الشروط الصحية للمواطنين جميعا، وصون الموارد المائية من ملوثاتها، بيد أن اتجاه تلويثها ظهر محدودا قبل أن يتزايد حجمه بمرور الزمن، وصار بالتالي محفوفا بمخاطر لا يستهان بها تنال من المصالح الحيوية لأجيال متعاقبة.

ويؤكد المركز أن المذكرة المعدة بمعرفة هندسة الري بأسوان، ومحاضر المخالفات والإزالة التي حررتها، فضلا عن التقرير المقدم من جهاز شؤون البيئة، أقرت بصحة الوقائع المشار إليها، في الوقت الذي تنصلت المحافظة من المسؤولية وتقدمت جهة الإدارة نتائج تحاليل تفيد بمطابقة عينات المياه المأخوذة من مواقع المخالفات للاشتراطات البيئية متعارضا مع نتائج وزارتي الري والبيئة، فيما تقدم ممثل الحكومة بالطعن على الحكم، ما يشير إلى وجود ارتباك واضح في التنسيق بين الهيئات الحكومية بشأن الجهة المسؤولة عن هذه المخالفات، الأمر الذي يتطلب وجود جهة وزارية موحدة للتنسيق بشأن القضايا المماثلة.

وأوضح المركز أنه من المفترض أن تقوم فلسفة عمل هيئة قضايا الدولة على تمثيل الحكومة أمام المحاكم في ما لا يتعارض مع المصلحة العامة، ما يستدعي ضرورة التساؤل عن أسباب التقدم بطعن على حكم قضائي كان يجب على المسؤولين التنفيذيين إعماله فورا.

وشدد المركز على أنه لا يجب أن تكون درجات التقاضي وسيلة للمماطلة أو التنصل من المسؤولية من هذه الأمور عظيمة الشأن شديد الخطورة، داعيا لإعادة التفكير في التمثيل القانوني للهيئات الحكومية أمام المحاكم المختلفة، والتعامل مع الدعاوى المتعلقة بشأن القضايا البيئية كبلاغات للتحقيق الفوري بها، وليس تخصيص ممثل للدفاع عن الحكومة في سبيل تعطيل تنفيذها.

وأشار إلى أنه لا يفترض لجوء المواطنين إلى إقامة دعاوى في هذا الشأن إلا إذا كان هناك خطر محقق على المصلحة العامة، ما يعني بالضرورة عدم قيام المسؤولين عن إزالة المخالفات بدورهم المنوط بهم، لذا يمكن تفسير اللجوء للقضاء في هذه الحالات كاستغاثة بالسلطة القضائية في ما يتعلق بتقاعس بعض المسؤولين التنفيذيين عن القيام بمهامهم في حماية المواطنين.

وطالب المركز بضرورة وجود استراتيجية واضحة للتعامل مع قضايا البيئة، عن طريق تخصيص دوائر مستعجلة للبت فيها، فضلا عن تحديد قواعد واضحة لتنظيم الطعون عليها، حيث لا يعقل أن يستغرق الحكم في قضية تتعلق بحياة وصحة المواطنين ما يزيد عن 5 سنوات.

وأوضح حمدي الحرزاوي، وكيل نقابة المحامين بأسوان، أن الطعن الذي قدمته الحكومة على الحكم أمام المحكمة الإدارية العليا لم تحدد له جلسة حتى الآن، معللا لجوئها إلى هذا الإجراء كوسيلة لعرقلة تنفيذ الحكم، فضلا عن عدم رغبتها في تحمل أعباء مالية إضافية بتحويل مسار تصريف مخلفات الصرف الصحي والصناعي بعيدا عن نهر النيل.

وأكد المركز المصري أنه في الوقت الذي أعلنت الحكومة في تقريرها الصادر في يونيو 2022، والموجه إلى الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، عن احتياجها إلى ميزانية قدرها 246 مليار دولار لمواجهة آثار التغير المناخي، خاصة على نهر النيل، الذي يعد من أكثر البؤر المهددة بالتأثر بشكل مباشر بهذه التأثيرات بحلول عام 2050، تسلك مسارا داخليا عكسيا بإقحام نفسها كخصم في القضايا المتعلقة بحماية نهر النيل ذاته، في الوقت الذي كان من الأجدى بها التحرك الفوري للتعامل مع هذه المخالفات حتى قبل وصولها إلى أروقة المحاكم.

ويناشد المركز المصري كافة الجهات المختصة بإعادة النظر في التمسك بالطعن على الحكم، ويقترح بدلا من ذلك وضع مخطط زمني لإنهاء المشكلة وتوفير التمويل اللازم لإنفاذ مقتضى الحكم، حفاظًا على المياه من التلوث، في وقت نحتاج فيه لكل قطرة مياه من مواردنا المائية، كذلك للحفاظ على صحة المواطنين والثروة السمكية.

ويرى المركز أن المشكلة قابلة للحل في ظل استراتيجية الدولة الجديدة في مواجهة التغييرات المناخية والحفاظ على البيئة، وأن الحفاظ على النيل قضية تستدعي تضافر وتكامل كافة الجهود لمنع أي ضرر بمياه النيل.

كان المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية أطلق حملة (سكة السلامة – الطريق إلى COP27) تزامنا مع مؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لتغير المناخ (COP27)، المقرر انعقاده في مدينة شرم الشيخ بمحافظة جنوب سيناء، في الفترة من السادس حتى الثامن عشر من نوفمبر المقبل.

وتركز الحملة – المستمرة على مدار 100 يوم – على عدد من المحاور التي تستهدف المساهمة في مواجهة التأثيرات السلبية الناتجة عن التغير المناخي، وتأثيراتها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية خاصة في مصر، التي تعد من أكثر الدول المعرضة للمخاطر الناتجة عن هذه التأثيرات، والدعوة لاتخاذ آليات وإجراءات حاسمة للحد منها.

ويشمل المحور الأول للحملة التوعية بآثار التغيرات المناخية، وانعكاساتها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، في عدد من القطاعات من بينها: الصحة، والصناعة، والزراعة، والنقل، والأنشطة البحرية، وغيرها، فضلا عن تأثيراتها على العاملين في هذه القطاعات.

ويتطرق المحور الثاني إلى إجراءات التقاضي في القضايا المتعلقة بالحقوق البيئية، في ظل التزامات الحكومة بتعهداتها بشأن المواثيق والمعاهدات الدولية الموقعة عليها في هذا الإطار.

ويتناول المحور الثالث للحملة مدى التزام الحكومة بشأن تقليل الانبعاثات الكربونية، الذي يعد المحور الرئيسي لمؤتمر الأطراف، كما يتضمن المحور الرابع إعادة التعريف بالتزامات مصر تجاه قضايا البيئة والتغير المناخي من خلال الاتفاقيات الدولية الموقعة عليها، والإطار التشريعي الداخلي المتعلق بهذا الشأن.

ويطلق المركز المصري حملة “سكة السلامة – الطريق إلى COP27″، انطلاقا من إيمانه بضرورة التحرك العاجل لمواجهة التأثيرات السلبية لتغير المناخ، وأولوية قضايا حماية البيئة في هذه الفترة الحرجة، على أن ينتهي بمجموعة من التوصيات والمقترحات المقدمة من المختصين، لتقديمها للأطراف المعنية والمشاركة في مؤتمر المناخ.

Leave feedback about this