شفافية | دعوى قضائية لاتاحة الاطلاع على الوثائق بدار الكتب والوثائق القومية
موازنة وشفافية

شفافية | دعوى قضائية لاتاحة الاطلاع على الوثائق بدار الكتب والوثائق القومية

31 أكتوبر 2013

الحق في الوصول إلى المعلومات هو أحد الدعامات الرئيسية للمجتمع الحديث المتطلع إلى استهلاك المعرفة والمشاركة في إنتاجها كشرط أساسي لقدرته على معالجة مشاكل الحاضر وبناء مستقبل أفضل ﻷبنائه، بخلاف أن هذا الحق لا غنى عنه لتحقيق حكم ديموقراطي رشيد تتوافر فيه الرقابة الشعبية على مؤسسات الدولة ومشاركة مواطنيها في إدارة شؤونها. ولا شك أن الوثائق المختلفة سواء تلك الصادرة عن مؤسسات الدولة أو عن غيرها تظل هي المصدر اﻷكثر أهمية للبحث في تاريخها السياسي والاجتماعي، ومن ثم فإنه لا غنى عن هذه الوثائق بالنسبة ﻷي باحث أو مهتم بالتاريخ. وتقوم الرؤية المعاصرة في الدول الديموقراطية لوثائقها على أنها ملك للشعب في اﻷساس، تؤتمن الدولة على حفظها وتوفير سبل الاطلاع عليها لكل راغب في ذلك، ويعتبر الحق في الاطلاع على هذه الوثائق مطلقاً إلا في حدود ضيقة تتعلق باﻷمن القومي ينظمها القانون ويحدد الحد الزمني المناسب الذي تصبح بعده بعض الوثائق متاحة للاطلاع كغيرها. وبخلاف الحد الزمني المذكور لا يجوز للقانون أو اللوائح اﻹدارية في أي مؤسسة أن تقيد الحق في الاطلاع على الوثائق بأي إجراءات تعسفية كما لا يجوز التمييز بين فئات المواطنين في حقهم في الاطلاع على الوثائق بوصفها ملك لهم جميعا بشكل متساو.

في هذا اﻹطار قام محامو المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية بإقامة دعوى أمام القضاء الإداري حملت رقم (849 لسنة 68 ق)، يختصمون فيها كل من رئيس مجلس الوزراء، ووزير الثقافة، ورئيس دار الكتب والوثائق القومية، ومطالبين فيها باسقاط الإجراءات والاشتراطات شديدة التعسف المفروضة على الحق في الاطلاع على الوثائق التاريخية والعلمية الموجودة بدار الكتب والوثائق القومية. وتشمل هذه الإجراءات اشتراط الحصول على موافقة الجهات الأمنية على طلب الاطلاع على الوثائق، وقصر الاطلاع عليها على اﻷكاديميين المسجلين للحصول على درجات علمية. وكلا الشرطين ينتهك الحق في الوصول إلى المعلومات من حيث فرض إجراءات إضافية بخلاف مضي الفترة التي يحددها القانون لإتاحة بعض الوثائق للاطلاع العام وهي فترة حدها اﻷقصى 50 عاما، وكذلك من حيث التمييز بين المواطنين في حق الاطلاع على الوثائق وقصره على بعضهم دون غيرهم.

وفي حين تتعامل هذه الدعوى على وجه الخصوص مع واحدة من صور انتهاك مؤسسات الدولة للحق في الوصول إلى المعلومات، فلا ينبغي إغفال أن تقييد الوصول إلى المعلومات وحجبها يعتبر ممارسة عامة لمؤسسات الدولة بما في ذلك أجهزتها المتخصصة نظريا في جمع المعلومات وإتاحتها للجمهور مثل الجهاز المركزي للمحاسبات، ودائما ما يتخذ التقييد والحجب صورة فرض إجراءات تعسفية تجعل من ممارسة الحق في الوصول إلى المعلومات أمرا صعبا أو مستحيلا في أغلب اﻷحيان. وفي حالات كثيرة يتخذ التقييد والحجب صورة الغياب التام للمعلومة إذ لا تلتزم غالبية مؤسسات الدولة بالكشف الدوري عن المعلومات الخاصة بمجال نشاطها من خلال نشرها في صورة تقارير تتيح للمواطنين والمتخصصين الاطلاع على البيانات الأساسية للظواهر الاجتماعية ومؤشراتها وكذا متابعة أداء هذه المؤسسات ومدى نجاحها أو فشلها في تحقيق أهداف التنمية الموكلة إليها.

وحيث أن مصر بصدد كتابة دستور جديد لها، تبدو الفرصة سانحة ﻷن يتم معالجة هذه الظاهرة التي تمثل انتهاكا صارخا ﻷحد الحقوق الأساسية للمواطنين، كما تمثل عقبة حقيقية في طريق تقدم البحث العلمي والتطبيقي الذي لا غنى عنهما لدفع عجلة التنمية في أي بلد. وبخلاف الحاجة إلى التأكيد في الدستور بصفة عامة على حق المواطنين في الوصول إلى المعلومات، ينبغي أن يتضمن النص الدستوري إلزام مؤسسات الدولة بعدم فرض أي قيد تعسفي يتخطى ما يقرره القانون فيما يتعلق بالفترة الزمنية اللازمة لحماية الوثائق ذات العلاقة باﻷمن القومي، كما ينبغي إلزام مؤسسات الدولة بنشر البيانات ذات الصلة بعملها بشكل دوري وجعلها متاحة للمواطنين بطريقة يسهل معها الوصول إليها ودون قصر ذلك على فئات دون غيرها. فمثل هذه الالتزامات لا غنى عنها لتحقيق الشفافية وإتاحة المعلومات والمشاركة الشعبية في إتخاذ القرار التي هي جميعها تندرج تحت الشروط الأساسية ﻹقامة نظام ديموقراطي يتحقق له عوامل الحكم الرشيد وتنحسر فيه الثغرات التي يتغلغل من خلالها الفساد في مؤسسات الدولة.

Leave feedback about this