إصدارات حقوق اجتماعية دراسات سياسات اقتصادية

الكولة.. عندما يعمر المواطن وتجرف الدولة

English Version

الكولة..

عندما يعمر المواطن وتجرف الدولة

عن الإصدار:

اسم الإصدار: الكولة.. عندما يعمر المواطن وتجرف الدولة

إعداد : المركز المصري

تاريخ الإصدار: أغسطس 2016

عدد الصفحات : 64 صفحة


الفهرس

مزارعون فى مقابل المدن الجديدة

المنهجية

قرية الكولة وأهلها

الحياة اليومية فى الكولة

مدينة جديدة فى الصحراء تُخفى الكولة ومزارعها وسُكانها

الأهالى يحتجون والحكومة تدمر 150 فدانا زراعياً

حيازة أهالى الكولة الشرعية: الملكية بالتعمير

التضارب الحكومى وضياع مسؤلية الدولة

الدولة خصماً وحكماً: عدم حيادية جهات إنفاذ القانون

المدينة الحكومبة مخالفة للقانون

المواطن يعمر الصحراء والحكومة تجرفها

المرفقات


ملخص

يرصد الإصدار وضع منطقة الكولة بصعيد مصر من سياسات متضاربة، تشجع على إستصلاح الصحراء من ناحية ثم تسعى إلى تجريف الأرض التى عمرها وسكنها الأهالى من ناحية أخرى.


تقع قرية الكولة في محافظة سوهاج، حيث أعلى معدلات للفقر على مستوى الجمهورية، والتي بلغت فيها معدلات الفقر في ٢٠١٥ حوالي ٦٦٪ من سكان المحافظة، أي ثلثا السكان يحيون تحت خط الفقر لا يكفون أنفسهم ولا أسرهم، ويعيشون فقط متشبثين بالحياة التي صارت شبه مستحيلة في ظل تفاقم ظروف معيشتهم.

يقطن أهالي قرية الكولة على الشاطئ الشرقي للنيل، فهم جنوبيون مصريون توارثوا الأرض أبا عن جد، زرعوا وحصدوا مما جادت به الأرض، ثم اجتهدوا وعمروا الظهير الصحراوي لقريتهم، فأطعموا القرية والقرى المجاورة، وأحيوا الأرض الجرداء بعد موتها. تجاهلتهم الدولة، فصنعوا الحلول بأنفسهم، أوصلوا المياه للري، بنوا البيوت، وكسروا الحجارة، وتحدوا الأرض الصخرية حتي صارت خصبة وخضراء.

عاش الأهالي عشرات السنين في الكولة، توارثوا خلالها الأرض، والمهنة، والحياة، حتى جاءت هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة لتهدم أحلامهم، وتقتلع أشجارهم، وتدمر قنوات الري التي دأبوا على تشييدها، ثم تجرف أرضهم، مجرفة بذلك حيواتهم..وذلك بالرغم من أن الصحراء واسعة وتبحث عمن يعمرها- فالصحراء بدءا من شرق الكولة وحتي محافظة البحر الأحمر خالية تماما- فلما اذن اختارت الدولة تجريف الأرض الزراعية، واقتلاع الأشجار وتدمير شبكات الري، وهدم البيوت، وتهجير المواطنين من بيوتهم وأراضيهم، لماذا سعت الحكومة لتخريب قرية الكولة، ولماذا قررت الدولة أن تهاجم الأهالي، وتتبع سياسة جديدة للعدوان على الأهالي والأراضي الزراعية، بعد سياسة التجاهل التي طالما اتبعتها الدولة في العقود الماضية؟

نقدم هذا التقرير لتوثيق العدوان على أراضي الكولة الزراعية، ولتوثيق لحظة تاريخية تمر بها مصر، لحظة تتعدى فيها الحكومة على المواطن بشكل مباشر، سالبة إياه كل ما يملك، وكل ما سعى ليمتلك، ومتجاهلة سنوات من الشقاء والتعب مضاها المواطن من أجل تعمير أرضه، وجلب الحياة للصحراء.

يطرح الصراع الذي تخوضه قرية الكولة العديد من التساؤلات حول مسؤلية الدولة في تحقيق التنمية، وفي توفير الحياة الكريمة للمواطنين. فتعامل الدولة مع الكولة لم يتسم فقط بالتخبط وعدم الوضوح فحسب، ولكنه أيضا عبر عن خطط الحكومة التي لا تنطلق من أهداف تنموية حقيقية، ولا تضع صالح المواطن العادي في الأولوية. فما حدث في النزاع الواقع بين هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة وأهالي قرية الكولة مثالا على نمط من الخلاف بين الخطط الحكومية، وبين المواطنين الذين اعتادوا على أحداث مشابهة والتي تجري في أماكن عدة مختلفة لكن قضاياها متشابهة إلى حد كبير.

لم يكن دور الدولة في أي من تلك القضايا مُجرد مواجهة للأهالي فقط، ولكن الدولة مُمثلة في مؤسساتها المُختلفة وأيضا بتدرجات السُلطة من رأسها المسئول عن صنع السياسات و إصدار القرار لعبت أدوارا متناقضة، ففي البداية كانت مُحافظة سوهاج مشجعة لحركة الأهالي في قرية الكولة حينما بدأوا بعملية إستصلاح الأراضي الواقعة في زمام المحافظة، والتي تعتبر امتدادا طبيعيا، عمرانيا وزراعيا، لقريتهم، وشجعت الدولة آنذاك المواطنين القائمين على استصلاح الأراضي، كما وعد المسؤلين وسنت القوانين آنذاك لتمليك الأراضي لمن قاموا باستصلاح تلك الأراضي، وكان هذا الإجراء مُشجعا ومحفزا للبقية، حتى يقوموا بفعل مشابه عاملين بذلك على زيادة المساحات المزروعة تعويضا للتمدد العمراني على الأراضي الزراعية. ولكن منذ ما يقرب من 15 عاما صدر قرار بإنشاء مدينة جديدة في الظهير الصحراوي الملاصق لقرية الكولة، “مدينة اخميم الجديدة”. اعترض الأهالي في البداية لأن الإحداثيات التي تضمنها هذا القرار تتضمن قرية الكولة، مما يعني بناء المدينة الجديدة على أشلاء الكولة وأهلها. ومن هنا بدأ صراع الأهالي من أجل الدفاع عن أرضهم وحياتهم في الكولة التي بذلوا من أجلها كل ما يملكون.

قرية الكولة التي ظلت مهمشة، ومنسية من الحكومة، محرومة من الخدمات البسيطة كالصحة والتعليم، والمواصلات والبنية التحتية، بدلا من أن تكافئ من الدولة، تم تجريفها، وتدمير قنواتها واقتلاع أشجارها، من أجل بناء مدينة جديدة، كان من المنطقي أن يتم بناءها في الصحراء، وليس فوق إحداثيات قرية وأملاك خاصة، وبالتحديد، ليس فوق الأراضي الزراعية.

وأخيرا، ظهرت الدولة فى هيئة جديدة كطرف يضاف إلى أطراف النزاع، من خلال لجنة استرداد أراضي الدولة، تلك اللجنة التي ادعت بتزوير عقود ملكية الأرضي الموجودة بحوزة الأهالي، فى اتهام مباشر للأهالي من أجل إسقاط أحقيتهم فى تملك أراضيهم. فاللجنة لم تكتف باسترداد أراضي كانت صحراء جرداء وعمرها المواطنون وزرعوها من جيوبهم الخاصة، بلا تعويضات، وإنما تهجمت على الأراضي التي تملكها الأهالي بعد استصلاحها، وسجلوها في الشهر العقاري، مدعية أن الأهالي مزورين.

والنتيجة، حصارا اقتصاديا واجتماعيا للأهالي، من أجل منعهم حتى من حقهم في المقاومة والدفاع عن أراضيهم. الا أن أهالي الكولة لم يتخلوا عن حقوقهم رغم كل شيء، واستمروا في المقاومة مستخدمين الآليات القانونية والإعلامية، ومتمسكين بأحقيتهم فى ملكية أراضيهم التي ضحوا من أجلها بكل غال ونفيس، واحتملوا من أجلها التنكيل والحبس، وذلك بالرغم من اعتراف جزء من السلطة بحقهم أيضا، فكأن المسؤلون في مصر لم يتفقوا بعد على رؤيتهم لقرية الكولة، وخطة الدولة التي لم يكن لها أن تكون عدد من الخطط المتضاربة لجهات متفرقة.


للتواصل الإعلامي:

media@ecesr.org