تقارير سياسات اقتصادية موازنة وشفافية

مشروع موازنة 2016/17.. زيادة في الاستثمار و تساؤلات حول تحقيق العدالة الاجتماعية

English Version

نشرت وزارة المالية المصرية أخيراً البيان المالي لعام 2016-2017 بعد تأخر وصل لأكثر من 50 يوما عن الميعاد المحدد طبقا للمادة 124 من الدستور المصري الصادر عام 2014. هذا ويأتي تأخر مشروع الموازنة بالمخالفة للدستور غير مفاجئ كالعادة، حيث عودتنا وزارة المالية على التأخر والتلكؤ في نشر الوثائق الهامة، لدرجة أنه حتى كتابة هذه السطور لم تقدم الوزارة الحساب الختامي لموازنة العام المالي 2014-2015 حيث كان من المفترض تقديمه في أول يناير، أي منذ حوالي ستة أشهر طبقا للمادة 125 من نفس الدستور.

أما بالنسبة لمشروع الموازنة العامة والملقب في مصر بالبيان المالي فيجب نشره قبل ثلاثة أشهر من بدء السنة المالية أي في الأول من أبريل مع بداية مرحلة المناقشة والموافقة على الموازنة. ويعتبر مشروع الموازنة من أهم الوثائق في دورة الموازنة حيث يأتي شارحا لخطط الحكومة المالية وبرامجها للعام القادم، والذي يمكن المجتمع المدني والمواطنين وممثليهم في المجالس النيابية من مناقشة المقترحات الاقتصادية المتضمنة في مشروع الموازنة والمشاركة في تقييمها وتعديلها إن لم تسمو إلي طموحاتهم، ولذا فإن كل يوم يتأخر فيه البيان المالي عن موعد إصداره المقرر دستوريا هو ضربة في قوام الديمقراطية التمثيلية والحياة النيابية في مصر.

وتعتبر أهم سمات البيان المالي هو تقديمه توصيفا وافيا للمناخ الاقتصادي وقت إعداد الموازنة والظروف المحيطة بها وكيف تؤثر المؤشرات المختلفة على الأولويات الاقتصادية التي تتخذ في الاعتبار عند إعداد الموازنة. ويجب أن يقدم البيان أيضا كل بنود الإنفاق الحكومي بتقسيماتها المختلفة وأهم المصروفات والموارد والإيرادات ومصادر تمويل العجز شاملا كل معلومة ممكنة عن الموازنة المقترحة. كما يأتي أيضا بمقارنة بالأعوام الماضية وتفصيلا إنفاقها والأهداف العامة للمدى المتوسط.

وفي السطور القادمة سنقوم بتحليل بعض جوانب البيان المالي لنقدم لكل مهتم بالشأن الاقتصادي المصري تفصيلا مبسطا لأهم السياسات المالية والاجتماعية للحكومة المصرية للعام المالي 2016-2017.

budgetinnerbig


أهم ملامح البيان المالى للسنة المالية 2016-2017

يقدم البيان ثلاثة أهداف رئيسية لموازنة عام 2016-2017:

أولها: دفع معدلات النمو الاقتصادي بتشجيع النشاط الاقتصادي لتوليد فرص عمل وزيادة دخول كافة شرائح المجتمع،

وثانيها: زيادة مخصصات وجودة الإنفاق الحكومي على برامج الحماية والعدالة الاجتماعية،

وثالثها: معالجة التحديات الاقتصادية المتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم، ارتفاع عجز الموازنة، ارتفاع عجز الميزان التجاري، وتفاقم أزمة الديون.

تأتي أهم الإفتراضات للمؤشرات الاقتصادية متمثلة في توقع ارتفاع معدل النمو لعام 2016-2017 إلى 5.2% مقارنة بـ4.4% لعام 2015-2016 ووصولا إلى 6.2% في عام 2019-2020. ويأتي وصول معدلات النمو لـ5.2% كهدف مهم للغاية حيث بذلك تعود معدلات النمو لمستواها ما قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير وما تلاها من تهتك اقتصادي وأزمات مالية نتيجة تخبط القيادة السياسية وغياب رؤية واضحة.

تتوقع الوزارة أن يصاحب ذلك انخفاض في معدلات البطالة إلى 11.5-12% في عام 2016-2017 في تغيير لنمط الزيادة المطرد في معدلات البطالة الذي وصل لقمته في عامي 2012-2013 و2013-2014 حيث وصل معدل البطالة إلى 13.3% وتأمل الحكومة أن يستمر هذا النمط في الانخفاض لتصل لمعدل بطالة 9.7% عام 2019-2020.

ويأتي المؤشر الثالث لمعدلات التضخم التي كانت انخفضت بثبات بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير لتقل من 11% في عام 2010-2011 لـ6.9% في عام 2012-2013، ولكن مثل عام 2013 نقطة تحول كارثية في معدلات التضخم حيث بدأت في الزيادة ومن المتوقع أن يصل لـ11.5% في العام المالي 2016-2017 بعد فشل محاولات الحكومة في السنوات الثلاثة الماضية في كبح جماح زيادة معدلات التضخم التي تأتي على الأخضر واليابس في هذه الظروف.

كما يعتبر أحد أهم التطورات انخفاض معدل صرف الجنيه أمام العملات الأجنبية وخاصة الدولار واليورو كنتيجة لأزمة حادة في العملة الصعبة -والتي أحتدت وتيرتها بعد حادث الطائرة الروسية الذي ألحق أضرارا كارثية بقطاع السياحة المصري الذي يعتبر من أهم مصادر دخل العملة الصعبة للبلاد- مما تسبب في الإخلال بالدورة الإنتاجية نتيجة تعثر الاستيراد وارتفاع الأسعار.

ومن المهم الأخذ في الحسبان عند قراءة هذا التقرير التمييز بين الموازنة المعتمدة للعام المالي 2015-2016 والتعديلات المتوقعة لها الواردة في البيان المالي لعام 2016-2017، حيث تم أخذ التوقعات المعدلة المتاحة في الحسبان كلما سنحت الفرصة سعيا منا لتقديم الصورة الأقرب للواقع، وفيما يلي سنقارن بين أهم البنود والمؤشرات المتوقعة لموازنة العام المالي 2015-2016 كما ورد في البيان المالي مع المقترح لموازنة العام المالي 2016-2017.


ملحوظات:

  1. الموضوع مقسم لأجزاء مخفية لتسهيل التنقل بين العنواين، اضغط على العنوان لإظهار الجزء الخاص به
  2. الموضوع يحتوى على العديد من الرسومات التفاعلية التي قد تأخذ وقتا في التحميل، عند ظهورها يمكن التفاعل معها لإظهار عناصر مختلفة من البيانات

أولاً: التقسيم الوظيفي للمصروفات1

يعرض التقسيم الوظيفي الموازنة كعشرة قطاعات تغطي أذرع إنفاق الحكومة، ويأتي على قمة الهرم قطاع الخدمات العامة الذي يتضمن الأجهزة التنفيذية والتشريعية والخدمات العامة بأعلى إنفاق حكومي حيث فاقت ميزانية القطاع 368 مليارا في مشروع الموازنة المقترحة مستحوذا على 39.3% من الموازنة وهو واحد من قطاعين فقط سجلا نمواً حقيقياً، حيث سجل نمو أسمي مقدر بحوالي 24.6% عن المتوقع لموازنة عام 2015-2016 ومسجلاً نمواً حقيقيا يقدر بـ12.98%.

أما عن القطاع الثاني الذي سجل نمواً حقيقياً وهو قطاع الإسكان فقد تضاعفت ميزانيته من 24.9 مليار متوقعة لعام 2015-2016 لأكثر من 50.7 ملياراً في مشروع الموازنة الحالي بنمو يفوق الـ100% ونمو حقيقي 84.6% ليكون أكبر قطاع شهد نمواً في الموازنة، هذا وشكلت حيازة الأصول غير المالية 94.6% من ميزانية القطاع و44.8% من إجمالي ميزانية الاستثمارات في الموازنة العامة.

أما أكبر القطاعات خسارة فهو قطاع الحماية الاجتماعية حيث تقلصت ميزانيته من 211.7 مليار في الموازنة المعتمدة لعام 2015-2016 لـ198.4 ملياراً في المتوقع حاليا للموازنة نفسها، لـ188.9 في مشروع الموازنة المقترحة للعام الحالي لتخسر موازنة القطاع 19% فعلياً بالمقارنة بموازنة العام السابق و13.6% مقارنة بالمتوقع للعام نفسه، ويأتي أغلب هذا الانخفاض من بندي دعم المواد البترولية ودعم الكهرباء اللذين تقلصا بنسبة 43% و6.7% على التوالي، وفي الوقت الذي حافظ بند المساهمات في صندوق المعاشات على ثبات ظاهري شهد انخفاضاً فعلياً يقدر بـ9.3% في إشارة هامة بجدية الحكومة في تقليص فاتورة الدعم والبرامج الحمائية. كما أستمر التقليد غير المبرر الذي بدأ في عام 2014-2015 بالإشارة لبند الدفاع والأمن القومي بـ(أنشطة وظيفية متنوعة) تارة وباسمه الأصلي تارة أخرى مسببا إرتباكا لأي من يحاول فهم المشروع، هذا وقد شهد البند نموا مقدرا بحوالي 6.8% عن المتوقع للعام الماضي وبحساب فرق التضخم نجد أنه سجل انكماشا يقدر بـ3%.

ثانياً: التقسيم الاقتصادي للمصروفات2

يقدم التقسيم الاقتصادي أوجه الصرف في الاستخدامات من حيث الهدف الاقتصادي منها مقسمة إلى ثمانية أجزاء وهي:

1- الأجور وتعويضات العاملين

2- شراء السلع والخدمات

3- الفوائد

4- الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية

5- مصروفات أخرى

6- شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات)

7- حيازة الأصول المالية

8- سداد القروض

هذا ويتم البنود الستة الأولى تحت مسمى المصروفات وهو ما سنتناوله في هذا القسم. فإذا قسنا التغيرات في التقسيم الاقتصادي للموازنة المقترحة نجد أن المصروفات جملة زادت بنسبة 12.9% عن العام الماضي لتصل إلى 936.1 مليار جنيه بالمقارنة ب 828.8 المتوقعة للعام المالي 2015-2016 و733.4 للعام السابق عنه، ليفوق إجمالي الزيادة على مدار العامين المائتي مليار جنيه.

وتظهر أكبر زيادة في بند شراء الأصول الغير مالية الذي تزايد من 71.3 مليار جنيه في العام الماضي إلى 107 مليار جنيه في الموازنة المقترحة وهي زيادة تقدر بما يفوق 50.1% وتحقق معدل نمو حقيقي لإنفاق الحكومة على الاستثمارات يتخطى 36% في إشارة واضحة لتبني الحكومة نظرة طويلة الأمد تهدف لتحقيق نمو مستدام.

ويأتي ثاني أكبر البنود زيادة وأكبرها على الإطلاق في الاستخدامات كلها وهو بند الفوائد ليصل إلى 292.5 مليار جنيه مصري بزيادة تقدر بحوالي 19.9% عن 244 مليار المخصصة لها في العام الماضي والـ193 المخصصة لها في عام 2013-2014 لتقارب الزيادة على مدى العامين مائة مليار جنيه بنسبة تفوق 51%. هذا وتشكل فوائد الديون أكبر عبء على الموازنة العامة حيث تمثل 24% من إجمالي الاستخدامات و31% من إجمالي المصروفات حيث أن الزيادة في بند الفوائد والمقدرة بحوالي 48.5 مليارا امتصت أكثر من 45% من الزيادة في المصروفات وهو ما حدث أيضا في العام الماضي حيث أمتصت الفوائد 53.5% من إجمالي الزيادة في المصروفات.

أما بالنسبة للأجور فزادت بمقدار 16.1 مليار جنيه لتصل إلى 228.1 ملياربزيادة تقدر بـ7.6% ولكن بعد قياس معدل التضخم نجد أن فاتورة الأجور سجلت انكماش يقدر بنسبة 2.4%. ويليها في الحجم بند الدعم الذي انخفض بقرابة 1.7 مليار جنيه ليصل إلى 210.3 مليار ليكون البند الوحيد الذي سجل معدل انكماش إسمي يقدر ب0. 8% ومعدل انكماش حقيقي 10%. ويأتي انخفاض فاتورتي الدعم والأجور غير مفاجئ حيث أعلنت الحكومة عن نيتها خفض العجز على حساب الأجور والدعم في إطار السياسات النيوليبرالية التي تتبناها لتخفيض الإنفاق الحكومي الفعلي. فانخفضت المصروفات كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي من 29.9% إلى 28.8% وهو معدل انخفاض يقدر بنسبة حوالي 3%.

شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات)

ولإن البيان أتى بنقلة ضخمة في حجم الاستثمارات الحكومية وجب إلقاء نظرة خاصة عليها حيث يعتبر مضاعفة بند الاستثمار من أهم سياسات الحكومة الواعدة خاصة لما كان له من أثر على دفع النمو الاقتصادي وتحسين البنية التحتية المتهالكة في ربوع الجمهورية، وهي خطوة وجب الإشادة بها وتشجيعها وقد وجهت أغلب الاستثمارات لقطاع الإسكان الذي فاز بنصيب الأسد حيث حاز على 47.96 مليار من إجمالي 107 مليار موجهه للاستثمارات كلية بنسبة 44.8%. ويأتي في المركز الثاني قطاع الشئون الاقتصادية حيث حاز على 17.28 مليار بنسبة 16.16%. في ما يلي عرض توزيع ميزانية الاستثمارات على القطاعات والأجهزة المختلفة.

ثالثاً: الصورة العامة للاستخدامات

هذا وبعد استعراض أهم ما ورد في بنود المصروفات وما طرأ أو سيطرأ عليها من تغيرات وجب علينا الإشارة أن المصروفات وحدها لا تغطي الإنفاق الحكومي كله حيث لا تتضمن بندي حيازة الأصول المالية وسداد القروض، هذا ويعتبر بند سداد القروض ثاني أكبر بنود الموازنة على الإطلاق حيث يقدر بما يفوق 256.3 مليار جنيه مصري فلا يفوقه إلا بند الفوائد. هذا ويشكل بندي خدمة الديون المتمثلين في الفوائد وسداد القروض مجتمعين 45% من إجمالي الإنفاق الحكومي وهي نسبة كارثية تعبر عن مدى تفاقم أزمة الديون التي تمتص موارد الحكومة أولا بأول وتهدد النمو الاقتصادي للبلاد واستقرار اقتصادها الكلي مما يجعلها أشد تأثرا بالأزمات وتؤثر بالسلب على السياسات الحكومية التي تصبح مرهونة بدينها.

رابعاً: التقسيم الاقتصادي للإيرادات3

بلغت إيرادات الموازنة العامة في مشروع عام 2016-2017 631.1 مليار جنيه مصري بزيادة قدرها 106 مليار جنيه عن المتوقع للعام الماضي الذي بلغ 525.1 مليارا، ويمثل هذا نموا يقدر بـ20.19% وهو حوالي ضعف معدل الزيادة المقدر بـ10.6% للعام السابق، ونموا حقيقيا يقدر بقرابة 8.99%.
ويأتي ما يفوق 67% من هذه الزيادة من بند الإيرادات الضريبية الذي شهد زيادة تقدر بـ71.3 مليار جنيه مصري بنسبة 19.5% ونمو حقيقي يقارب 8.4%. وتأتي هذه التوقعات المتفائلة مدفوعة بقانون ضريبة القيمة المضافة المزمع تطبيقه في العام نفسه والذي قدر أثره بتعزيز الحصيلة الضريبية بحوالي 1.1% من الناتج المحلي الإجمالي4.

الإيرادات الضريبية

ومن أهم ما ورد في البيان التحليلي المرافق للبيان المالي بخصوص الإيرادات الضريبية توقع انخفاض ضرائب الدخل والضرائب على الممتلكات عن المقر في الموازنة المعتمدة للعام الماضي بقرابة 8 مليار جنيه و5 مليار جنيه بالترتيب، ويغطى هذا الانخفاض من الزيادة في الضرائب على السلع والخدمات المقدرة بزيادة بأكثر من 17 مليار جنيه عن مشروع موازنة العام الماضي في إشارة باستمرار الحكومة في الاعتماد على الضرائب الاستهلاكية غير المباشرة التي تضاعفت حصيلتها في السنوات الثلاث الماضية، ومن الهام هنا أنه برغم ما ورد بالبيان المالي من توقعات بانخفاض الحصيلة الضريبية عن مشروع موازنة 2015-2016 بقرابة 60 مليار جنيه لم يتطرق البيان التحليلي لهذه التوقعات بالمرة ولم يفصل سبب هذا الانخفاض المقدر بـ14.2% عن الموازنة المعتمدة. هذا وتظل الحصيلة الضريبية منخفضة للغاية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي حيث بالكاد تتخطى 13.3%، هذا وجدير بالذكر أن الحصيلة الضريبية لم تصل للنسب المتوقعة في الموازنة في السنوات الست الماضية حيث دائما ما تنخفض عنها بنسب تراوحت بين 0.6% في عام 2010-2011 و4.7% في عام 2013-2014.

خامساً: العجز

العجز هو الفرق بين ما تنفقه الدوله وبين المتاح لها من موارد مالية ويتم تمويله عن طريق الاقتراض من المصادر المحلية والأجنبية وإصدار الأوراق المالية بخلاف الأسهم، هذا ويوجد عدة أنواع من العجز كل منها يعبر عن مدى قدرة الدولة على تمويل إنفاقها بشكل مختلف. ولأغراض شرح هذه الموازنة تم أختيار نوعين من العجز وأولهما العجز الكلي وهو الفرق بين أول سبعة أبواب في الاستخدامات وأول أربعة أبواب في الموارد ويتخذ مؤشرا على مدى قدرة موارد الدولة على تغطية أنشطتها المختلفة. وثانيهما العجز الفعلي وهو العجز الكلي مضافا إليه الباب الثامن من الاستخدامات وهو سداد القروض، ويستخدم كمؤشر لإجمالي احتياجات الدولة التمويلية.

و تظل أكبر أزمة تواجهها الموازنة العامة هي العجز التمويلي الدائم الذي يرهن مستقبلنا بحاضرنا ويؤدي لتوليد كرة ثلج من الديون التي تتزايد عاما بعد عام والتي بدورها تزيد من عبء خدمة الديون على الموازنة مما يزيد من العجز ثانية وهلم جرا وهو ما يهدد استقرار الاقتصاد الكلي ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة إلى الصدمات ويبعد المستثمرين والدائنين سواء عن السوق المصري خوفا مما قد يتسببه هذا العجز المخيف. أما في مجال التصنيف الإئتماني مصر لا زالت في أسفل حزمة المضاربة الشديدة (ب-/ب3) ويتهددها الهبوط إلى حزمة المخاطرة الشديدة خاصة بعد تخفيض ستاندرد أند بوورز توقعاتها من مستقرة إلى سلبية في الثالث عشر من مايو الماضي بخصوص التصنيف الإئتماني المصري، مما قد يؤدي لحجوم المستثمرين عن الاستثمار في الاقتصاد المصري، ومما يصعب عملية الاستدانة أكثر وأكثر.

سادساً: الدين العام

ولم يتم إلقاء الضوء علي الدين العام بالشكل الكافي، حيث لم يأخذ حقه بالذكر في البيان المالي وتم زجه في أقل من صفحتين بلا أي توضيحات أو استفاضة في شرح الديون خاصة مع اعتبار أهميتها في دولة تعاني من أزمات تمويلية مثلنا.
وما كان ملفتا للنظر هو تقدير الدين الخارجي في البيان المالي بـ181.6 مليار جنيه مصري، وهو يعبر عن الدين الخارجي الحكومي فقط (ولم يقدم البيان كيف تم حساب ذلك الرقم وعلى أي معدل صرف للدولار) ليس الدين العام الخارجي وهو مقدر طبقا لبيانات البنك المركزي في نشرة أبريل بما يفوق 47.79 مليار دولار بما يساوي 419.6 مليار جنيه مصري5 فإذا تم حساب المديونية العامة بحساب الدين الخارجي الحكومي المقدر ب 181.6 مليار تكون نسبة الدين للناتج المحلي 98.4% ولكن إذا تم إحتساب النسبة على دين خارجي 419.6 مليار جنيه تتخطى النسبة حاجز الـ100%. والمهم هنا أن البيان لم يقدم معلومات خاطئة ولكن تغاضى عن ذكر المعلومة كاملة، فيجب هنا التساؤل عما إذا كانت ترى الحكومة ان طريقة حجب المعلومات والالتواء في طريقة تقديمها سيغير من واقع أزمة الديون.6




وكما تظهر حسابتنا المعتمدة على التقديرات المتفق عليها من نشرة البنك المركزي السابق ذكرها والبيانات الصادرة عن وزارة المالية فإن معدل المديونية الحقيقي محتسبا على إجمالي الناتج المحلي المعدل لعام 2015-2016 الصادر في البيان المالي يعني أن نسبة المديونية إجمالا ستظل فوق حاجز الـ100% وهي نسبة مرتفعة جدا وتمتد أثارها السلبية لتغطي كافة المؤشرات والسياسات المالية والاقتصادية. وتظل أزمة العجز المرتبطة مباشرة بأزمة الديون هي أكبر المشاكل التي تواجه الاقتصاد المصري خاصة وأن خدمة الديون تمثل أكثر من 45% من الإنفاق العام.

سابعاً: نظرة خاصة على الصحة

قبل الخوض في تحليل استحقاقات قطاع الصحة في البيان المالي لمشروع موازنة 2016-2017، يجب التنبيه على أن واحدا من أهم بنود منشور إعداد الموازنة لنفس العام (وواحدا من وثائق الموازنة العامة) قد شدد على أهمية تطبيق مبدأ الشفافية والمشاركة المجتمعية بالإضافة للتوجه لموازنة البرامج والبدء بسبع وزارات ومن ضمنها وزارة الصحة والسكان و التعليم على أن تقدمها موازنة البرامج الخاصة بها لوزارة المالية قبل 30 نوفمبر 2015 وإلى الآن لم يتم نشر موازنة البرامج على أياً من موقعي وزارة الصحة أو وزارة المالية. والجدير بالذكر أنه من الهام التوجه لموازنة البرامج وقطعا نشرها حتى يتمكن المجتمع المدني من دعم الحكومة بمراقبة أدائها وربط الأداء بتحقيق الأهداف.

حصل قطاع الصحة -القطاع السابع في التقسيم الوظيفي في مشروع موازنة 2016-2017 على مخصصات تقدرب 48.94 مليار جنيه بما يعادل 5% من جملة مصروفات الموازنة العامة كما هو موضح في الشكل البياني ص 5 بالبيان المالي7 ومن الملاحظ أن هناك تضاربا بين تلك النسبة لقطاع الصحة في البيان المالي والنسبة في البيان التحليلي حيث تصل الى 6% (شكل أ ص 86) لنفس القيمة في البيان التحليلي8 المرافق للبيان المالي لمشروع الوزارة مع العلم بان ذلك الـ1% يقدر بأكثر من 9 مليار جنيه.

وتزيد مخصصات قطاع الصحة المتوقعة للعام المالي 2016-2017 عن نظيرتها في مشروع العام المالي السابق بزيادة تقدر بـ8.9% حيث بلغت مخصصات قطاع الصحة 45 مليار جنيه في مشروع موازنة السنة المالية 2015-2016. ولكن معدل النمو المعلن في البيان المالي (8.9%) عن السنة المالية السابقة لا يعد معبرا حقيقيا إذا تم حساب التضخم9 حيث ستتراجع النسبة لتسجل انخفاض بمعدل 1.3% عن العام السابق.

أما عن مخصصات قطاع الصحة طبقا للتقسيم الاقتصادي ومعدلات التغير السنوية فهي كما هو موضح في الجدول:

مشروع موازنة *2016/2017 مشروع موازنة *2015/2016 معدل النمو الاسمي (النقدي) معدل النمو الحقيقي (بحساب معدل التضخم)
جملة مصروفات قطاع الصحة 48944 44950 %8.9 %-1.3
الأجور وتعويضات العاملين 28569 27290 %4.7 %-5.1
شراء السلع والخدمات 8765 7967 %10.0 %-0.2
الفوائد 26 22 %18.2 %7.2
الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية 3299 2873 %14.8 %4.1
المصروفات الأخرى 702 678 %3.5 %-6.1
شراء الأصول غير المالية (الاستثمارات) 7583 6120 %23.9 %12.4

*الأرقام بالمليون جنيه

وبالنظر لمخصصات أبواب التقسيم الاقتصادي في قطاع الصحة نجد انه بحساب معدل التضخم فقد انخفض معدل النمو في كل من أبواب: الأجور وتعويضات العاملين، شراء السلع والخدمات، وباب المصروفات الأخرى، بنسب تصل إلى -5% في الباب الأول أي باب الأجور، مما يعني أن الحكومة قد مضت قدما في السياسة التي أعلنتها بالتحكم في تفاقم فاتورة الأجور وبذلك تقل القدرة الشرائية للعاملين بقطاع الصحة بنسبة 5% عن العام الماضي ولتقل أكثر بالأخذ في الاعتبار زيادة العاملين بالقطاع الصحي مع التعيينات الجديدة في 2016-2017. يعد ذلك مؤشرا خطيرا لتوجه الحكومة في ظل مطالب الأطباء وباقي فريق الرعاية الصحية بزيادة المرتبات.

وعلى الجانب الأخر فإن من المؤشرات الإيجابية هو زيادة معدل الاستثمار في قطاع الصحة (وبشكل عام في الموازنة العامة) ليحقق زيادة حقيقة حتى بحساب معدل التضخم لتصل الى 12.4%. ويوضح الرسم البياني التالي معدلات التغير في أبواب التقسيم الاقتصادي لقطاع الصحة عن مثيلاتها لمشروع موازنة العام السابق.

مخصصات قطاع الصحة والاستحقاق الدستوري

لعل أكثر الأمور التي تدفع للقلق في البيان المالي هو عدم التزام مشروع موازنة العام المالي 2016-2017 بالاستحقاق الدستوري المتمثل في المادة (18) من الدستور المصري الأخير 2014 والتي تنص على أن “تلتزم الدولة بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي للصحة لا تقل عن 3% من الناتج القومي الإجمالي”10 وكان لابد ان يتم تطبيقه هذا العام المالي طبقا للمواد الانتقالية في الدستور المصري. وقد تجنب البيان المالي وملحقه التحليلي بصفحاتهم التي تزيد عن 250 صفحة التطرق لتلك النسبة أو حتى الإشارة لأسباب عدم التزام بيان الحكومة المالي بذلك مما يعكس توجه قد يتعارض مع ما طرحه البيان في أهم الملامح والتوجهات الجديدة لمشروع الموازنة والمتمثلة في تدعيم الحماية الاجتماعية، بل يضع مخاوف لقدرة الحكومة على تحقيق رؤيتها الاستراتيجية للتنمية المستدامة 2030. هذا وتبلغ مخصصات قطاع الصحة في شكل مشروع الموازنة المقترح لعام 2016-2017 فقط 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي11 أي ما يقرب من نصف النسبة التي أقرها الدستور.

هذا وتطرح تلك الورقة انحياز أخر للعدالة الاجتماعية وذلك بحساب المخصصات مع الالتزام بنسبة الـ3% كما أقرها الدستور، فكما هو موضح في الجدول التالي فان كل الأبواب سيتم مضاعفتها حال تم تنفيذ تلك النسبة، وبنفس النسب التي تم طرحها في مشروع الموازنة المقدم للحكومة.

وكما هو موضح في الجدول فإن معدلات الزيادة (معدلات التغير في مخصصات الأبواب مقارنة بنظيرتها لمشروع العام السابق) اذا ما تم الالتزام بالنسبة المقرة في الدستور المصري وهي 3% من إجمالي الناتج القومي ستزيد بمعدلات كبيرة لتبلغ الأجور نسبة زيادة تصل إلى 90% مما يحل أزمة كبيرة في قضايا أجور العاملين بالفريق الصحي، كما تزداد نسبة الاستثمارات في قطاع الصحة لتتعدي زيادة تصل لارتفاع في معدل النمو لأكثر من 120% ربما ليحقق بذلك الكثير من الأهداف الوطنية خاصة في مجال تطبيق مشروع التأمين الصحي الاجتماعي الشامل. ولا يعد هذا تحليلا اقتصاديا أو ماليا على قدر ما هو تعبير عن انحياز لتوجه في العدالة الاجتماعية والتزام بنص دستوري يلزم الدولة به.

الدعم والصحة في مشروع موازنة العام المالي 2016-2017:

ويوضح الجدول التالي حجم الدعم الموجه لصحة المصريين:

الدعم في مجال الصحة مشروع موازنة 2016/2017* مشروع موازنة 2015/2016*
أدوية وألبان أطفال 600 600
دعم التأمين الصحي المرأة المعيلة 157 125
أطفال ما قبل سن الدراسة 180 175
طلاب 256 250
الفلاحون 100 0
غير القادرين 3000 3069
إجمالي دعم تأمين صحي 3693 3619
علاج على نفقة الدولة 3137 2747

*الأرقام بالمليون جنيه.

يأتي بند دعم الأدوية وألبان الأطفال من ضمن البنود التي لم تتغير في ظل أزمة كبيرة وارتفاع في أسعار الدواء وأزمة أخرى في توفر ألبان الأطفال، ويأتي الدعم بقيمة 600 مليون جنيه وهي نفس قيمة مشروع الموازنة للعام الماضي ليضاف انخفاضا أخر بحساب معدل التضخم في قيمة دعم ذلك البند.

وفي مشروع الرعاية الصحية لغير القادرين ودعم التأمين الصحي للسادة مستحقي معاش الضمان الاجتماعي يقل الدعم المقدر بـ3 مليار جنيه عن نظيره للعام السابق المقدر بـ3 مليار و69 مليون جنيه مصري، ولكن من الإيجابي هو الإشارة في البيان المالي بأن البرنامج سيعد ممولا لتقديم الخدمة على أن يتعاقد لشراء الخدمة بنسبة 95% من الجهات الحكومية و5% فقط من القطاع الخاص في حالة عدم توفر الخدمة في القطاع العام (البيان المالي، ص 79). وعلى الرغم أنه قد تم ذكر في الخطة الزمنيةأانه قد تم البدء بمحافظات الصعيد وسيتم تنفيذ باقي المحافظات حسب الخطة المقدمة من وزير الصحة والسكان، فان موقع الحكومة الرسمي للبرنامج 12 قد أوضح أنه قد تم بدء تشغيل 14 محافظة وسيتم الانتهاء من 17 محافظة حتى يونية 2016 أي قبل بداية اعتماد مخصصات موازنة العام المالي 2016-2017.

كما تم إضافة 100 مليون لدعم التأمين الصحي على الفلاحين لأول مرة في مشروع للموازنة المصرية، أما عن العلاج على نفقة الدولة فقد تم زيادة بند الإنفاق من 2 مليار و747 مليون لمشروع الموازنة العامة لعام 2015-2016 إلى 3 مليار و137 مليون جنيه مصري في مشروع هذا العام.

الاستثمارات فى الصحة والبيان المالى

أما عن الاستثمارات في مجال الصحة فكما أسلفنا تعد زيادة الاستثمارات حتى بحساب معدل النمو الحقيقي، أخذا في الاعتبار معدل التضخم، واحدأ من أهم المؤشرات الايجابية في مشروع موازنة العام المالي 2016-2017 طبقا للبيان المالي. فقد استحوذت الصحة على 7% من إجمالي الإنفاق على الاستثمارات وذلك بقيمة 7.583 مليار جنيه طبقا للتقسيم الوظيفى. ولكن بحسب البرامج التي تم تفصيلها في البيان المالي 13 في قطاع الصحة بلغت الاستثمارات 5.682 مليار جنيه يضاف اليها ما يقرب من 2.3 مليار جنيه قيمة الإنفاق على الاستثمارات في المستشفيات الجامعية (جامعات التعليم العالي والأزهر) وهي قيمة أكثر من المذكورة في التقسيم الوظيفى لقطاع الصحة. كما هو موضح بالجدول.

جدير بالذكر هنا أن مشاركة القطاع الخاص في الإنفاق على استثمارات المستشفيات الجامعية تصل إلى 450 مليون جنيه مصري وهو التوجه الذي يطرح تساؤلا عما إذا كانت مشاركة القطاع الخاص في التمويل والاستثمار ستنعكس على أسعار تقديم الخدمة الصحية في تلك المستشفيات التي تعد مصدرا رئيسيا للرعاية الصحية الثانوية والمتقدمة لكثير من المواطنين. وعلى جانب أخر تبلغ قيمة الإنفاق على الاستثمارات لوحدات الرعاية الصحية الأولية والرعاية الطبية الوقائية وتنظيم الاسرة مجتمعين 660 مليون جنيه مصري مقابل اكثر من 4.5 مليار جنيه للمستشفيات العلاجية والخدمات الطبية المتخصصة أي أقل من 10% من إجمالي الاستثمارات في الصحة بمستويات الرعاية الاولية والثانوية والمتقدمة. وعلى الرغم من أن تكلفة الاستثمار في الرعاية الصحية الثانوية والمتقدمة تعد مرتفعة ولكن ان تبلغ نسبة الإنفاق على الرعاية الصحية الأولية أقل من 10% في البيان المالي في ظل تعهد الحكومة بتحقيق التغطية الصحية الشاملة والتي تعد فيها وحدات الرعاية الصحية الأولية ووحدات الأسرة المرتكز الأساسي لتحقيق ذلك الهدف مؤشرا على امكانية تحقيق ذلك الهدف.

الاستثمارات في مجال الصحة* إجمالي تمويل الخزانة العامة للدولة منح – ذاتي – قروض مشاركة القطاع الخاص
وحدات الرعاية الصحية الأولية** 520 470 50 0
الرعاية العاجلة والإسعاف 450 450 0 0
الرعاية الطبية والوقائية 120 120 0 0
تنظيم الأسرة 20 20 0 0
المستشفيات العلاجية والخدمات الطبية المتخصصة 4572 4162 410 0
مستشفيات جامعة الأزهر 264.1 244.4 19.7 0
المستشفيات الجامعية 1967.1 931.7 585.4 450
إجمالي الاستثمارات 7913.2 6398.1 1065.1 450

* الأرقام بالمليون جنيه.

** منها 25 مليون جنيه للاستهداف الجغرافي لتنمية القري الأكثر احتياجا.

ثامناً: نظرة خاصة على التعليم

يعتبر التعليم من أهم قطاعات الخدمية التي تحتاج إلى التمويل المالي الكافي لمساندة استثماراته وتقديمه بجودة عالية لأهمية ذلك للمجتمع ككل في تشكيل وعي أفراده وتحسين أوضاعهم الاجتماعية عن طريق طرح الفرص العديدة لهم، ومن ناحية أخرى في رفع مهاراتهم العملية والتي تنعكس بشكل قطعي ومباشر على الاقتصاد المصري وسوق العمل. وبناء على تلك الرؤية، ألزم الدستور المصري لعام 2014 في مواده بتخصيص نسبة من الإنفاق الحكومي لا تقل عن 4% للتعليم قبل الجامعي و2% للتعليم الجامعي من الناتج القومي الاجمالي مع رفع تلك النسب بالتدريج للوصول بها للمعدلات العالمية14، ولكن جاءت المخصصات الفعلية لقطاع التعليم التي تتضمنها السياسة المالية للحكومة للعام المالي الجديد بعكس ذلك لتوضح عدم التزام الحكومة بما هو عليها من استحقاقات دستورية15.

فقد وضح مشروع موازنة الدولة لعام 2016-2017 أن مخصصات قطاع التعليم (قبل الجامعي والجامعي) 103.9 مليار جنيه، وعند قياس نسبته من إجمالي الناتج المحلي المذكور في ذات المشروع يظهر لنا إن نسبة قطاع التعليم الفعلية حوالي 3.2% أي نصف ما هو ملزم به دستوريا.

وإضافة إلى ذلك، وبحساب معدل النمو الاسمي، أشار البيان المالي إلى أن ارتفاع مخصصات ميزانية قطاع التعليم عن نظيرتها للعام المالي 2016-2015، والذي كان يفوق 99.3 مليار جنيه، قد حقق ارتفاعا في النمو الاسمي بنسبة 4.7%، وعلى صعيد أخر، ذكر البيان المالي أن الموازنة المتوقعه للعام المالي لـ2015-2016 تم تخفيضها إلى 96.55 مليار جنيه (بمعنى، هذا ما قد تم تعديله لما هو متوقع صرفه على ميزانية التعليم فعليا) ليصبح النمو الاسمي المتوقع 7.6%. وأما عن النمو المتوقع الحقيقي، فقد حقق 2.36% بالسالب16.

تفاصيل موازنة التعليم

جاء في شرح التقسيم الوظيفي في البيان التحليلي أن أهم المكونات في قطاع التعليم، وهو القطاع التاسع لها، والتي تمولها الموازنة العامة للدولة هم: التعليم قبل الجامعي، التعليم العالي، التعليم غير محدد المستوى، خدمات مساعدة التعليم، البحوث والتطوير في مجال التعليم. وذكر البيان التحليلي الجهات الرئيسية التي تقوم بتنفيذ الخطة المالية للحكومة في قطاع التعليم وهي: وزارة التربية والتعليم، مديريات التربية والتعليم، وزارة التعليم العالي، الجامعات، الأكاديمية المهنية للمعلمين، المركز القومي للامتحانات، الهيئة العامة لمحو الأمية وتعليم الكبار، الهيئة العامة للأبنية التعليمية، صندوق تطوير التعليم، وتعد تلك المؤسسات مسؤولة عن حوالي أكثر من 20 مليون طالب-ة17 في كلتا المرحلتين، قبل الجامعي والجامعي.

حصل قطاع التعليم في التقسيم الوظيفي بالبيان المالي على 11.1% من جملة مصروفات الموازنة العامة18، بينما جاء في البيان التحليلي19 أن نسبة قطاع التعليم من المصروفات العامة هي 12% مما يوضح وجود تضارب في الأرقام بين البيانين الصادرين عن نفس الجهة. وأما فيما يخص تفاصيل أبواب الموازنة لقطاع التعليم، فلم يتغير الكثير عن ما هو معروف ومطبق في الأعوام المالية السابقة بشكل عام. فقد استحوذ باب الأجور وتعويضات العاملين على أعلى نسبة من ميزانية التعليم بحوالي 82% (85.351 مليار جنيه)، بينما خصص لباب الاستثمارات 10.48% (10.89 مليار جنيه)، وحصل باب السلع والخدمات على 6.4% (6.699 مليون جنيه)، وباب المصروفات الأخرى على 0.73% (758 مليون جنيه)، وباب الدعم والمنح على 0.21% (226 مليون جنيه)، واخيرا باب الفوائد بنصيب 0.029% (31 مليون جنيه).

وعند مقارنة مشروع موازنة قطاع التعليم للعام 2017-2016 مع ميزانية الدولة للعام 2016-2015 سنجد أن مخصصات باب الأجور كنسبة من مخصصات قطاع التعليم، قد انخفضت بنسبة 1.74% للأول و3.86% للباب الثاني وهو باب شراء السلع والخدمات. بينما ارتفع الباب السادس، الأصول غير المالية (الاستثمارات) بنسبة حوالي 19.48%.

إن البيان المالي للعام الجديد يوضح اهتمام السياسة المالية للحكومة برفع نسبة الاستثمار، والتي تعني السعي بشكل أساسي في بناء المنشات التعليميه مثل المدارس والجامعات، على حساب خفض أجور المعلمين والمدرسين وخفض السلع والخدمات المتمثله في بنود عديده منها الكتب والتغذية المدرسية والصيانة، وليس من خلال رفع ميزانية التعليم ككل على الرغم أنه يوجد ارتباط مباشر بين جودة التعليم وبين حجم الإنفاق على كل من أجور المعلمين والسلع والخدمات. ومن قبيل المقدمات الإنشائية أوردت الحكومة في مقدمة البيان المالي الحكومة أن من أولويتها توفير الخدمات والاحتياجات الأساسية للمواطنين بجودة عالية20 ولكن جاء خفض المخصصات المالية للابواب المسؤولة عن الجودة في مشروع الموازنة بعكس ذلك لتوضح التناقض بين القول والفعل.

وأما فيما يخص توزيع ميزانية قطاع التعليم على مستوى التقسيم الاقتصادي والتوزيع الإداري، فقد استحوذت الإدارة المحلية، والتي تتضمن جميع مديريات وإدارات التربية والتعليم ويقع تحت نطاق عملها توزيع المدرسين على مدارس الجمهورية، بالنصيب الأكبر بما يزيد عن 72 مليار جنيه من ميزانية قطاع التعليم. ويليها الهيئات الخدمية والتي من بينها هيئة الأبنية التعليمية بالجامعات بحوالي 24 مليار، وأخيرا الجهاز الإداري، الذي يشمل ديوان وزارة التربية والتعليم ووزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بما يزيد عن 7 مليار جنيه. جدير بالذكر أن ارتفاع ميزانية الإدارة المحلية على نظيرتها في قطاع التعليم يرجع الى استحواذ باب الأجور وتعويضات للعاملين بها على النصيب الأكبر بحوالي 64% من إجمالي ميزانية قطاع التعليم. وجاءت موازنة الهيئات الخدمية الأعلى في باب الاستثمارات بنسبة 68.5% من إجمالي استثمارات قطاع التعليم نظرا لاشتمالها هيئة الأبنية التعليمية المسؤولة عن إنشاء الأبنية التعليمية على مستوى الجمهورية.

وقد أوضح البيان المالي في مضمونه البرامج الرئيسية للاستثمار في قطاع التعليم، طبقا لمشروع خطة التنمية الاقتصادية ولاجتماعية للسنة المالية 2016-2017، وقسم حصة باب الاستثمار بين مرحلة التعليم قبل الجامعي بحوالي 6.54 مليار جنيه ومرحلة التعليم العالي 5.78 مليار جنيه. وقد تطرق البيان المالي الى بعض تفاصيل برنامج الاستثمار في التعليم قبل الجامعي من أهمها تحديد حوالي 14.2% من اجمالي الاستثمارات بتلك المرحلة لبناء منشات تعليمية تحت مسمى “الاستهداف الجغرافي لتنمية القرى الأكثر احتياجا” بمقدار حوالي 931 مليون جنيه.21

وعلى صعيد أخر، فقد ذكر البيان المالي فيما يخص باب الدعم والمنح بأن كل من ديوان وزارة التربية والتعليم وديوان وزارة التعليم العالي والمديريات التربية والتعليم يخصص لهم مبالغ تحت مسمى” الدعم والمنح الاجتماعية” والتي منها تمول الأغراض الإنسانية والاجتماعية. فقد حصل ديوان وزارة التربية والتعليم على 13 مليون جنيه، بينما حصل ديوان التعليم العالي على 21 مليون جنيه وأخيرا خصص لمديريات التربية والتعليم على مساعدات بمقدار 1.2 مليون جنيه. أما عن ما تبقى من إجمالي باب الدعم والمنح بعد طرح المنح والمساعدات للمؤسسات السابق ذكرها والتي تقدربـ190.8 مليون جنيه، فلم يوضح البيان المالي معلومات عنها.

بشكل عام، تظل نظرة الحكومة لملف التعليم ضيقة ومحدودة لعدم واقعية سياساتها التنفيذية والمالية وعجزها عن الاشتباك بالمشاكل الحقيقية التي تواجهها المنظومة التعليمية. فمثال، يُعتبر ضعف أجور المعلمين في مرحلة التعليم قبل الجامعي من أهم الأسباب التي نتج عنها ترسيخ مبدأ الدروس الخصوصية داخل المجتمع المصري والمنظومة التعليمية، فبدلا من إعادة هيكلة الأوضاع المالية وضمان الأمان المالي لهم لإنهاء تلك المشكله التي يلجأ لها معظهم المدرسين لتحسين دخلهم في ظل ارتفاع الأسعار والمتطلبات الحياتية، اتجهت الحكومة إلى خفض مخصصات باب الأجور وتعويضات العاملين في مشروعها المالي لعام 2016-2017 لتبين، من ناحية، استمرار تجاهل الدولة لتلبية مطالب المعلمين في تحسين أوضاعهم المعيشية، ومن ناحية أخرى، استمرار مبدأ الدروس الخصوصية ليبقى الوضع كما هو عليه. أما على الصعيد الأخر والخاص برفع ميزانية باب الاستثمارات، فتلك النقطة يجب الإشاده بها والتي توضح بدء الاهتمام في حل مشكلة كثافات الفصول العالية داخل المدارس المصرية عن طريق بناء أعداد أكبر من الفصول كخطوة لرفع جودة التعليم المقدمة في المدارس الحكومية، ولكن يجب التأكيد على أن رفع جودة التعليم ما هي إلا معادلة تتضمنها عناصر عديده منها عنصر كثافات الفصول المعقولة، ومنها أيضا المناهج التعليمية الجيدة والمعلم الجيد والمتدرب، والتي لم يشملها مشروع الموازنة في سياستها.

خاتمة

بعد استعراض أهم مكونات البيان المالي وأهم مؤشراته نستطيع أن نرصد بعض النقاط الهامة. ابتداءً نستطيع أن نقول بكل وضوح أن الحكومة حتى الآن لم تسطع كبح جماح التضخم الذي يأتي على الأخضر واليابس مستقطعا أغلب النمو في الموارد والاستخدامات. وبرغم التوسع في الاستثمارات وهو توجه ضروري ومحمود ويعكس رؤية إستراتيجية للمستقبل، إلا أن البيان أيضا يظهر بوضوح مدى جدية الحكومة في التخلي عن دورها الاجتماعي بتقليص فاتورة الأجور  في إجراءات تقشفية سيدفع ثمنها المواطنون الأكثر فقرا وضعفا. ومن أهم المؤشرات السلوكية غير الرقمية المستشفة من البيان هي عدم إلتزام الحكومة بواجباتها الدستورية بالمرة، فلم تلتزم بنسب الإنفاق المحددة دستوريا للصحة والتعليم ولم تلتزم بالميعاد الدستوري لتقديم البيان المالي، وكل خرق من هؤلاء هو كسر للعقد الاجتماعي الممثل في الدستور الوطني، وضرية حقيقية لأي أمال في الديمقراطية، أو تطبيق الشفافية وسيادة دولة القانون.

أما بالنسبة للمؤشرات المالية فتظل أزمة المحاور الثلاث: الإيرادات، العجز، الدين، سيفا علي رقبة الأقتصاد المصري خاصة والدولة المصرية عامة. فالعوائد الضريبية والإيرادات بشكل عام منخفضة للغاية ومستمرة في انخفاضها ليأتي توقع الحكومة لأقل نسبة ضرائب من الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2010، فهل خفضت الحكومة توقعاتها بعد إعادة تقييم لحسابتها السابقة، أم استسلمت لواقع ضعف الهيكل الضريبي وتهتكه؟ وتأتي هنا حلقة الوصل بين أزمة الديون وضعف الإيرادات الممثلة في قانون ضريبة القيمة المضافة الغامض، الذي يهدف لرفع الإيرادات الضريبية ولكن ليس تنفيذا للإرادة الوطنية ولكن بالخضوع لتوصيات صندوق النقد الدولي وكشرط من شروط قرضه المؤجل والذي تحتاجه الحكومة بشدة في ظل تفاقم أزمة العجز والديون ومعضلة سعر صرف الدولار.

إننا مع رفع قدرة الدولة لتوليد الموارد ولكن ليس عن طريق زيادة الضرائب غير المباشرة التي تقصم ظهور الأقل كسبا، وقد قدمت للحكومة مقترحات عدة لتعديل النظام الضريبي وتحقيق تصاعدية حقيقية في ضرائب الدخل لتغطية العجز ورفع نسبة الضرائب بالنسبة لإجمالي الناتج المحلي ولكن الحكومة لا تلقي بالا لتلك الإقتراحات وتتجه كعادتها إلى تحصيل إيرادات لتمويل العجز علي حساب المواطنين. ومن هنا نطالب الحكومة بالانتقال لنظام موازنة البرامج الذي تلكأت في تطبيقه على مدار السنين الماضية، وتعديل الهيكل الضريبي ليصبح أكثر فاعلية واعتمادا على الضرائب المباشرة، والالتزام بواحباتها الدستورية من حيث إتاحة الوثائق في المواعيد المحددة دستوريا والالتزام بنسب الإنفاق المحددة لضمان تحقيق أهداف التنمية المرجوة.

  1. لأغراض حساب النمو الحقيقي تم استخدام الرقم العام لأسعار المستهلكين أبريل 2016 الرقم السنوي من موقع البنك المركزي وهو 10.274 وهو حتى أقل من المعدل في البيان المالي نفسه.
  2. عند الإشارة للعام المالي 2015-2016 في هذا الفصل فالإشارة للمتوقع الوارد في البيان المالي وليس المذكور في الموازنة المعتمدة للعام نفسه.
  3. عند الإشارة للعام المالي 2015-2016 في هذا الفصل فالإشارة للمتوقع الوارد في البيان المالي وليس المذكور في الموازنة المعتمدة للعام نفسه.
  4. جدير بالذكر أن هذا الرقم مأخوذ مباشرة من البيان المالي ولم نجد سبيلا إلى التأكد منه حيث لم تصدر الحكومة أية دراسات عن الأثر المتوقع لتطبيق القانون.
  5. قدرت القيمة بالجنيه المصري بناء على سعر صرف البنك المركزي للدولار المقدر بـ8.78 جنيه مصري.
  6. جدير بالذكر أيضا وجود اختلافات بين تقديرات البيان للدين العام الداخلي والبيانات المقدمة من البنك المركزي ووزارة المالية، ولكن حجم هذه الإختلافات صغير نسبيا وبافتراض النية الحسنة قد يرجع لتوقعات أو طرق حساب بينها اختلافات طفيفة.
  7. البيان المالي لمشروع موازنة 2016-2017 من موقع وزارة المالية، للاطلاع http://www. mof. gov. eg/MOFGallerySource/Arabic/PDF/Financial-Statement2016-2017. pdf، تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016
  8. البيان التحليلي لمشروع موازنة 2016-2017 من موقع وزارة المالية، للاطلاع http://www. mof. gov. eg/MOFGallerySource/Arabic/PDF/analytical_statement16-17. pdf تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016.
  9. تم حساب معدل التضخم عن طريق حساب الرقم العام لأسعار المستهلكين أبريل 2016 الرقم السنوي من موقع البنك المركزي وهو 10.274 وهو حتى أقل من المعدل في البيان المالي نفسه، للاطلاع http://goo. gl/dvPoVV تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016
  10. دستور جمهورية مصر العربية، 2014. للاطلاع هنا
  11. تم حساب النسبة من الناتج المحلي الإجمالي المعلن في البيان المالي والمقدر بـ3,246,534 مليون جنيه مصري حيث لا تتوفر أي أرقام رسمية منذ أعوام للناتج القومي الاجمالي.
  12.  موقع برنامج الرعاية الصحية، 2016. ما تم إنجازه حتى تاريخه. للاطلاع http://www. egyshia. org/about-program/، تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016.
  13. ص 91 من البيان المالي
  14.  مادة 19 و21 من الدستور المصري لعام 2014.
  15. تم حساب النسبة من الناتج المحلي الإجمالي المعلن في البيان المالي والمقدر ب 3,246,534 مليون جنيه مصري حيث لا تتوفر أية أرقام رسمية منذ أعوام للناتج القومي الاجمالي.
  16. تم حساب معدل التضخم عن طريق حساب الرقم العام لأسعار المستهلكين أبريل 2016 الرقم السنوي من موقع البنك المركزي وهو 10.274 وهو حتى أقل من المعدل في البيان المالي نفسه، http://goo. gl/dvPoVV تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016
  17.  إجمالي أعداد الطلاب في مرحلة التعليم قبل الجامعي 19,280,089، الكتاب الاحصائي لوزارة التربية والتعليم للعام الدراسي 2016، الباب الأول، جدول تطور المدارس والفصول والتلاميذ.مع عدد طلاب التعليم الجامعي الحكومي 1,220,065، وزارة التعليم العالي، النشرة الدورية، http://goo. gl/j2mN3O.
  18. البيان المالي لمشروع موازنة 2016-2017 من موقع وزارة المالية، للاطلاع http://www. mof. gov. eg/MOFGallerySource/Arabic/PDF/Financial-Statement2016-2017. pdf، تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016
  19.  البيان التحليلي لمشروع موازنة 2016-2017 من موقع وزارة المالية، للاطلاع http://www. mof. gov. eg/MOFGallerySource/Arabic/PDF/analytical_statement16-17. pdf تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016.
  20.  البيان المالي لمشروع موازنة 2016-2017 من موقع وزارة المالية،صفحة 5، للاطلاع http://www. mof. gov. eg/MOFGallerySource/Arabic/PDF/Financial-Statement2016-2017. pdf، تم الاطلاع بتاريخ 30 مايو 2016
  21.  البيان المالي لمشروع الموازنة العامة للعام المالي 2016-2017، جدول البرامج الرئيسية لاستثمارات أهم الجهات (الموازنة العامة للدولة) بمشروع خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للسنة المالية 2016-2017، صفحة 90.