بيانات المركز خصخصة و قضايا فساد سياسات اقتصادية

فساد | مؤشر مدركات الفساد ل 2015 : مصرفي الترتيب 88، المواطن يتحمل فاتورة صناعة الفساد في مصر

English Version

– مصر في الترتيب 88 لتفشي الفساد بمختلف أنواعه

– ماذا يعني تقدم مصر في الترتيب في ظل حظر النشر في قضايا الفساد؟


[mks_pullquote align=”left” width=”300″ size=”24″ bg_color=”#ffffff” txt_color=”#dd3333″] الشعب المصري يتحمل قيمة ما تقترضه الحكومة لسد العجز الناتج عن هذا الفساد وفوائده؛ بالإضافة لقيمة الفرص الضائعة نتيجة إحجام المستثمرين عن الإستثمار في الدول المستشري فيها الفساد[/mks_pullquote]

فى إطار ما تشهده البلاد من جدل بشأن الأرقام الحقيقية لتكلفة الفساد وإجراءات وآليات مواجهته أو محاصرته، فضلاً عن التصالحات التى جرت تارة مع رجال الاعمال على العقود الادارية وتارة أخرى مع كبار الموظفين والمستثمرين لرد الأموال التى حصلوا عليها دون وجه حق، أعلنت منظمة الشفافية الدولية مؤشر مدركات الفساد المختص بترتيب الدول حول العالم حسب مدى انتشار الفساد بين الموظفين وكبار متخذي القرار، وتعرف المنظمة الفساد بأنه إساءة استغلال السلطة المؤتمنة من أجل المصلحة الشخصية، وحسب المؤشر، فقد تراجع مجموع نقاط مصر في عام 2015.

يأتي مؤشر مدركات الفساد بنتائج متوقعة، حيث يعتبر المواطنون انتشار الفساد في مصر من البديهيات التي لا يمكن تفاديها، ويتعامل معها المواطنون والحكومة بلا خجل أو دهشة، بدءا من رشاوى المواطنين لصغار موظفي الدولة في صورة “إكراميات” وانتهاءً بإكراميات الدولة لكبار موظفيها في صور “مكافآت أو حوافز أو جهود”. ومن الجدير بالذكر أن مصر تراجعت من 37 إلى 36 نقطة من أصل 100 درجة (الاعلى أكثر شفافية)، ولكن نتيجة تفشي الفساد في دول مثل المغرب وبيرو وأرمينيا والجابون، وتراجع ترتيب تلك الدول، فقد تغير مركز مصر من 94 إلى 88 والذي بالطبع لا يعبر عن انتصار جهود محاربة الفساد في مصر بقدر ما يعبر عن انتصار الفساد نفسه في تلك الدول.


مؤشر مدركات الفساد لمصر ل 2015 : اضغط لدقة عالية
مؤشر مدركات الفساد لمصر ل 2015 : اضغط لدقة عالية

الحكومة: الحاضر الغائب

اضغط لدقة اعلى
اضغط لدقة اعلى

هذا وتأتي قرارات الحكومة ضعيفة ومتخبطة خاصة في القضايا المتعلقة بالفساد المالي، فبعدما أعلن رئيس الوزراء السابق إبراهيم محلب عن استراتيجية شاملة لمحاربة الفساد، وجدنا الحكومة تتصالح مع بعض من أبرز رموز الفساد في مقابل تعويضات مالية وتسمح لهم بالعودة إلي الحياة السياسية والعمل العام وكأن شيئاً لم يكن، هذا الذي تم تقنينه بصدور القرار بقانون رقم 16 لسنة 2015 بتعديل بعض أحكام قانون الإجراءات الجنائية، والذي أجاز التصالح في جرائم المال العام والاختلاس، وكانت نتيجته التصالح في قضايا الاختلاس ضد أكثر من تسعين من أصل مائة وثلاثة مسؤولاً في وزارة الداخلية متهمين بالفساد، فأصبحت منظومة العدالة لا تؤدي أحد أغراضها الأساسية، ألا وهو الردع. فما الرسالة التي ترسلها مثل هذه القرارات لمختلسي المال العام ومهدريه، وما جدوى سياسات محاربة الفساد في ظل غياب أي عواقب حقيقية لتلك الجريمة التي تمس شعبًا بأكمله؟

اختلاس المال العام والعدوان عليه والغدر به والتربح منه جرائم لا تسقط بالتقادم لما ينتج عنها من آثار اقتصادية واجتماعية. كما جاء القرار بتعديل بعض أحكام قانون شركات المساهمة وشركات التوصية بالأسهم والشركات ذات المسئولية المحدودة وقانون الضريبة العامة على المبيعات وقانون ضمانات وحوافز الاستثمار وقانون الضريبة العامة على الدخل بموجب القانون رقم 17 لسنة 2015، والذي يتضمن “الحزمة التشريعية لتحفيز الاستثمار” ليكمل وضع الأطر التشريعية التي تخلق بيئة خصبة لانتشار آليات الفساد، خاصة فيما يتعلق بعملية تخصيص الأراضي وبيعها من خلال وقف تطبيق قانون المزايدات والمناقصات على الهيئات العامة والخدمية والاقتصادية، فضلا عن حرمان المواطنين من حق الطعن على كافة العقود الإدارية، مما يضعف الرقابة القضائية والشعبية على كافة العقود.

ومن المثير للانتباه، أن مؤشر محاربة الفساد في القطاعات الدفاعية الصادر عن مؤسسة الشفافية العالمية وضع مصر في “التصنيف الأكثر قابلية للفساد في قطاع الدفاع والأمن القومي نظراً لضعف نظم الإشراف والمراقبة أو غيابها تماماً” على حد وصفه بالتقرير.

ويأتى كل ذلك في خضم الجدل المثار حول الجهاز المركزي للمحاسبات ودوره في مكافحة الفساد وحدود استقلاليته في مواجهة السلطة التنفيذية، خاصة أنه أعلى جهاز للمراقبة والإشراف على الأداء الحكومي في مصر ، حيث تخضع له كل أجهزة الدولة سنوياً ليراجع موازناتها وحساباتها؛ لذا نص القانون على استقلالية الجهاز عن السلطة التنفيذية لضمان قدرته على أداء مهامه الرقابية دون الوقوع تحت ضعط من الحكومة أو تعرضه لتضارب المصالح.

هذه الاستقلالية والقدرة على المراقبة بدء تقويضها بقرار رئيس الجمهورية بالقانون 89 لسنة 2015 والذي جاء بعبارات مطاطة وفضفاضة تسمح لرئيس الجمهورية بعزل رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات مما يمثل عدوان صريح على استقلالية الجهاز وما ينال بالطبع من جهوده في كشف الفساد ومكافحته. وقد تجلى ذلك في تبني وسائل الإعلام الحكومية والمحسوبة على السلطة التنفيذية حملة إعلامية شرسة في مواجهة رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات بعدما أعلن أن تكلفة الفساد بلغت ستمائة مليار جنيه، فقام رئيس الجمهورية بتشكيل لجنة بزعم تقصي الحقائق حول هذه التصريحات واشتعلت حرب البيانات المتبادلة بين الجهاز وتلك اللجنة فأصدر النائب اعام قرارا بحظر النشر عن هذه القضية. 

الآثار الاقتصادية للفساد

وأخيرًا فمن الضروري إدراك مدى كارثية استشراء الفساد في مصر، فالفساد لا يؤدي إلى خسارة القيمة المجردة للفساد الحكومي فحسب، لكن الشعب المصري يتحمل قيمة ما تقترضه الحكومة لسد العجز الناتج عن هذا الفساد وفوائده؛ بالإضافة لقيمة الفرص الضائعة نتيجة إحجام المستثمرين عن الإستثمار في الدول المستشري فيها الفساد. هذا وإن صحت تقديرات الجهاز المركز للمحاسبات بأن تكلفة الفساد هي مائتي مليار جنيه في السنة، فذلك يمثل ما يفوق 8% من الناتج المحلي المصري في عام 2015 والذي يكفي لسد أكثر من 82% من العجز النقدي للموازنة العامة للدولة. والآن تدخل مصر عامها الخامس بعد خلع مبارك بلا قوانين رادعة للفساد، وبلا حكومة فاعلة في تقويضه والقضاء عليه، وبلا رقابة مستقلة ولو حتى صورياً، فلا نسأل لما خسرت مصر أربعة وستين نقطة ولكن الأرجح أن نسأل علام كسبت مصر الستة وثلاثين.