أخبار عاجلة إصدارات بيانات المركز بيانات صحفية تقارير سياسات اقتصادية موازنة وشفافية

موازنة وشفافية | بعد انقضاء الانتخابات.. العدالة الاجتماعية تغيب من موازنة الرئيس القادم

English Version
F120923ARK02-e1369240255764

المركز المصري يرفض طرح مشروع الموازنة العامة

في وقت متأخر ودون مناقشة مجتمعية


نشر موقع وزارة المالية بيانا بتاريخ ٢٥ مايو، الموافق اليوم الأول من الانتخابات الرئاسية، يعلن إحالة مشروع قانون الموازنة للسنة المالية ٢٠١٤/٢٠١٥ إلى الرئيس عدلي منصور للتصديق عليه وإصداره بقرار جمهوري، لبدء العمل به مع بداية شهر يوليو. ومن الجدير بالذكر أن مشروع الموازنة العامة، والذي تتولى وزارة المالية اعداده بناء على مشروعات الموازنات المقدمة من الجهات المختلفة،يجب قانونا ودستوريا أن يعرض على مجلس النواب على الأقل تسعين يوما قبل بدء السنة المالية في 1 يوليو، أي في بداية شهر ابريل (دستور 2014، المادة 124)، وذلك للمناقشتها وتعديلها والموافقة عليها.

ومن الجدير بالذكر أن وزارة المالية لم تنشر مشروع الموازنة أو تحيله لرئيس الجمهورية، في غياب مجلس النواب المنتخب، ولذا قام المركز المصري باصدار بيانا مشتركا و نشر خطابا مفتوح للوزير يذكره بتأخر نشر مشروع الموازنة عن الموعد المحدد له قانونا في بداية شهر ابريل، كذلك يطالبه بسرعة نشر مشروع الموازنة  لضمان الشفافية الكاملة والالتزام بالقوانين التي تحتم على الحكومة عرض الموازنة للمناقشة العامة. و بالرغم من الظرف الاستثنائي الذي نمر به مع غياب سلطة تشريعية تقوم بدورها في المناقشة و التصديق على المشروع، إلا أن ذلك لا يمنع حق المواطن في المعرفة الكاملة والمشاركة في نقاش مجتمعي واسع، بل لعل مشاركة المواطنين والمجتمع المدني تصبح واجبة في هذه الظروف، خاصة مع الغياب الكامل للرقابة في غياب مجلس النواب المنتخب.

و بالرغم من انه يمكن اعتبار بيان وزارة المالية مؤشرا لإدراك الحكومة أهمية عرض المعلومات وضرورة المناقشة المجتمعية قبل التصديق على أي قرارات حاسمة، إلا انه لا يلبي أبسط المعايير التي يجب توافرها في مشروع الموازنة والتي من شأنها أن تشجع على مشاركة المواطنين في وضع أولويات الموازنة العامة، والتي تعكس أولويات السياسات العامة في مصر.

الوعود المعتادة والموازنة ذاتها

يقتصر البيان فقط على عرض بعض ملامح مشروع الموازنة، وهكذا فهو ليس مستندا تفصيليا يمكن تحليله بالشكل المطلوب، والوصول من خلاله لفهم أكثر تفصيلا لطبيعة مشروع الموازنة.

كما يكرر البيان الوعود والأهداف المرسلة التي طالما رددتها الحكومة و لم يتم تحويلها إلى خطط وحلول مفصلة تحتوي على أرقام والتزامات يمكن دراستها ومناقشتها بشكل كاف. لذا فادعاء وزارة المالية أن مشروع قانون الموازنة العامة “يأتي كخطوة أولى مهمة نحو تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال اعادة ترتيب أولويات الانفاق العام، و وتحقيق العدالة الضريبية في توزيع الأعباء” ما هو الا وعود فارغة. بل على النقيض، فبيان الموازنة الذي يدعي أن مشروع الموازنة سوف يحقق “خفض معدلات الفقر” و”تحسين مستوى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة وتحديث البنية الأساسية”، سوف يحقق العكس: فبالتأكيد أنه مع استمرار السياسات التقشيفية، وتواصل انخفاض الموارد المخصصة للتعليم والصحة والبنية الأساسية، بل ولدعم الغذاء والتنمية، سوف ترتفع معدلات الفقر، وسوف يستمر مستوى الخدمات العامة في التدني.

وتتجلى الوعود الفارغة للحكومة في الوعد بانشاء ألف مدرسة بمشاركة القطاع الخاص، حيث يظل المشروع “تحت الطرح”، بلا تفاصيل، وعلى رأسها نوعية تلك المدارس ومدي تأثير شراكة القطاع الخاص في قدرة المواطن المتوسط في تحمل تكلفة تعليم ابنائه في هذه المدارس.. فيظل السؤال الأكبر بلا اجابة، وهي عن كيفية تطوير المدارس القائمة، وتطوير المنظومة التعليمية ككل، واتاحة التعليم ذي الجودة بالمجان لكافة فئات الشعب، وهو السؤال الذي لم تجب عنه الموازنات السابقة ولا الموازنة القادمة، على الأقل بداية من خلال تخصيصات كافية لقطاع التعليم، تساهم في رفع مستوى الأجور في هذا القطاع، وتطوير المنظومة التعليمية.

موازنة السيسي هي موازنة منصور

في محاولة لتحليل الارقام المنشورة نجد أنه حسب البيان، الانفاق العام سيبلغ نحو 807 مليار جنيه مصري بزيادة نحو 65 مليار جنيه عن الموازنة المعدلة للعام المالي الحالي. مما يعني ان الانفاق العام المعدل للسنة المالية 2013/2014 يبلغ 724 مليار جنيه مصري. لم يمكننا ايجاد ذلك الحجم من الانفاق في أي جدول منشور على موقع وزارة المالية. بدأنا بالاطلاع على الجدول المرفق لقانون ربط موازنة ٢٠١٣/٢٠١٤ قبل التعديل (لأن الحكومة لم تنشر أي جداول بعد التعديلات)، نجد أن حجم الاستخدامات يبلغ ٨١٧ مليار جنيه، بينما يبلغ حجم المصروفات ٦٨٩ مليار جنيه، و لذلك افترضنا ان الوزير يعني بكلمة “انفاق” بند المصروفات (وتمثل الانفاق دون سداد القروض وحيازة الأصول المالية) و ليس الاستخدامات (وتمثل الانفاق الكلي، بما فيه سداد القروض). وهو ما يدعونا الى التساؤل عن سبب تجاهل بيان وزارة المالية لعرض الصورة الكاملة للاستخداما، بما فيها تكلفة سداد القروض.

من أجل فهم ما قصده البيان تحت مسمى “الانفاق”، حاولنا حساب التعديلات التي طرأت على الموازنة اثر الحزم التحفيزية في أكتوبر و يناير (والاضافة على الحزمة الثانية في فبراير)، و لم تنتج تلك السيناريوهات المختلفة عن بند الانفاق الذي أشار اليه البيان.

يعرض البيان جدولا لأهم البرامج الاجتماعية التي تمولها الموازنة العامة للدولة. من الواضح انه تم استخدام الحسابات الختامية للسنوات المالية السابقة (٢٠١١/٢٠١٢، ٢٠١٢/٢٠١٣). و لم يظهر أي تعارض بين الأرقام الواردة في الجدول و الحسابات الختامية. بينما نجد المشكلة في السنة المالية الحالية (٢٠١٣/٢٠١٤)، حيث أن الوزارة لم تنشر الربط المعدل لهذه السنة بعد الحزم التحفيزية، فلذلك لا يمكن عقد مقارنة دقيقة بين مشروع الموازنة وموازنة السنة الحالية.

كما أن وزارة المالية، عند حساب “تطور” الانفاق العام، لم تحسب دور معدلات التضحم المرتفعة في التأثير على ارتفاع الأرقام المجردة، التي عند ضبطها اقتصاديا، تمثل نفس قيمة الانفاق في العام المنتهي في يونيو 2014، حيث تتعدى معدلات التضخم الـ10%.

ولكن بالنظر لتفاصيل البيانات المتوفرة من خلال بيان وزارة المالية، يتضح لنا أن  أمران، أولهما أن الموازنة العامة للعام المالي القادم 2014/2015 لن تشهد أي تطور عن الموازنات السابقة، لا من حيث التخصيصات للخدمات العامة كالصحة والسكن، ولا من حيث النجاح في زيادة الموارد بعيدا عن الاقتراض. وثانيا، يتضح أنه على عكس المعلن، الحكومة قررت أن تواصل المضي في طريق التقشف، مخفضة بذلك الموارد المتوفرة للعديد من البنود، والتي لا تقتصر على دعم المواد البترولية، كما هو المتوقع، بل تمتد لمخصصات تنمية الصعيد، التي انخفضت في بيان مشروع موازنة العام القادم بنسبة 44% عن العام الحالي، ودعم اسكان محدودي الدخل، الذي انخفضت تخصيصاته بنسبة 50%، من 300 مليون جنيه في عام 2013/2014، ليصبح 150 مليون جنيه في العام المالي القادم 2014/2015، بل وقطاعات الصحة والتعليم وغيرها من القطاعات التي تعاني نقص التمويل، وستظل تعاني نفس النقص. وهي كلها القطاعات التي تؤثر سلبا على وصول المواطنين للخدمات الأساسية وتمتعهم بأبسط الحقوق كالمأكل والملبس والسكن الملائم، مما ينذر باستمرار في تفاقم معدلات الفقر، وزيادة عدة المساواة، وتواصل ارتفاع نسبة الاحتجاجات الاجتماعية المطالبة بالحقوق الأساسية.

وبالنظر للجدول التالي، والذي يحسب نسبة التغيير في بيانات الانفاق العام على التعليم والصحة، مقارنا الأعوام الماضية، بالعام الحالي، وبمشروع موازنة العام المالي القادم، يتبين لنا أن نسبة الانفاق على التعليم والصحة، مقارنة بالناتج المحلي الاجمالي، لم تشهد أي اختلاف. ففي حين ارتفعت نسبة الانفاق على الصحة بهامش ضئيل، انخفضت نسبة الانفاق على التعليم، أيضا بهامش صغير. وهو ما يعني أن وعود وزارة المالية بالوصول بموازنات الصحة والتعليم لمستوى الوعود التي جاءت في الدستور، حتى لو تدريجيا، ما هي الا أوهام لم ترى النور بعد، ولن تراه في العام المالي القادم..

البيان

2011/2012 2012/2013 2013/2014 موازنة معدلة 2014/2015 مشروع موازنة
نسبة الإنفاق على الصحة من الناتج المحلي 1.74% 1.81% 2.07% 2.15%
نسبة الإنفاق على التعليم من الناتج المحلي 3.96% 4.18% 4.57% 4.39%

وننوه أن الجدول يستخدم نفس الأرقام التي جاءت في بيان وزارة المالية، ويحسب فقط النسبة المئوية.

العام المالي القادم: من أين تأتي الموارد؟

جاءت وعود وزارة المالية فيما يخص اصلاع المنظومة الضريبية عامة وغير محددة كالعادة، واتخذت من “توسيع القاعدة الضريبية” هدفا، كما هو الحال مع كل الحكومات المتعاقبة منذ ثورة يناير، وحتى ما قبلها، وذلك دون وضع آليات لتوسيع القاعدة الضريبية. فتوسيع القاعدة الضريبية يعني اما زيادة عدد الأشخاص الذين يدفوع الضرائب، أو زيادة عدد المعاملات التي تخضع للضريبة، كفرض ضريبة على الأرباح الرأسمالية على سبيل المثال، وهو ما اعتادت الخطط الحكومية على تجاهله، كما تجاهله بيان وزارة المالية. بل ويتضح لنا من حجم الايرادات للعام القادم،  والتي يكشف عنها بيان وزارة المالية عن مشروع الموازنة، أن ثم انخفاضا واضحا في ايرادات موازنة العام القادم، التي بلغت 517 مليار جنيه حسب بيان الوزارة، مقارنة بالموازنة المعتمدة للسنة المالية الحالية، التي بلغت 516 مليار جنيه، ثم أضيف لها حوالي 140 مليار جنيه في هيئة قروض ومنح، حسب بيان وزارة المالية، وهي القروض التي لا يزال جزء كبير منها غير معروف المصدر أو سبل انفاقه، ويجعل حجم الموارد لايزال لغزا.

ومن ثم، يتضح أن خطط الحكومة لزيادة الايرادات الضريبية لا تزال مؤجلة، وأن الحكومة لا تزال تعتمد بشكل واسع على الاقتراض، خاصة من دول عربية على رأسها الامارات العربية المتحدة والسعودية والكويت، متجاهلة بذلك العديد من السبل لتوليد الدخل القومي، ولتمويل الخدمات العامة وتحقيق آمال المصريين بعد ثورة يناير، ولعل على رأسها مكافحة التهرب الضريبي والفساد المالي الذي يكلّف مصر أكثر من 40 مليار جنيها سنويا، واعادة هيكلة النظام الضريبي ومراجعة التشريعات الضريبية من أجل التأكد من التزام الشركات بدفع ضرائبها، فهل يعقل أن الشركات في كافة أرجاء الجمهورية تساهم بحوالي 10% فقط من اجمالي الضرائب المدفوعة؟!  وهل يعقل أن تظل الأرباح الخيالية التي يحققها المضاربون في البورصة غير خاضعة للضرائب؟ وهل يعقل أن تظل نسبة الضرائب على الدخول متساوية للأجور المتوسطة والمرتفة، متجاهلة بذلك عدم تساوي الأعباء؟ كلها أسئلة تظل غائبة عن العام المالي القادم، الذي لا يمثل الا موازنة الأعوام السابقة، دون اضافة القروض.

وأخيرا، لم يذكر البيان ضريبة القيمة المضافة، التي وعدت وزارة المالية بتطبيقها في أقرب فرصة من أجل زيادة العوائد الضريبية، وهي الضريبة التي من شأنها رفع الأسعار، وزيادة معدلات التضخم، وتحميل المواطنين أعباء اضافية، وذلك تجاهلا للبدائل الأكثر عدالة لفرض ضرائب على الفئات الأكثر دخلا. ومن الجدير بالذكر أن مشروع قانون ضريبة القيمة المضافة، بالرغم من تأكيد وزارة المالية الانتهاء من اعداده، الا أنه يظل سريا، ويا يعرف عنه الا تفاصيل بسيطة، وذلك من خلال تصريحات وزيري المالية والتخطيط.

هل من رقيب؟

لا يوضح بيان وزارة المالية من سيقوم بمناقشة مشروع الموازنة والمدة الزمنية المتاحة للحوار. هل ستكتفي وزارة المالية بموافقة الرئيس عدلي منصور فقط؟ وماذا عن انتقال السلطة للرئيس المنتخب؟ فمع غياب السلطة التشريعية المنتخبة أو أي تمثيل حقيقي للناخبين، كيف يمكن للمواطن أن يساهم في ادارة المال العام المشاركة في رسم السياسات التي تؤثر على حياته بشكل مباشر؟

بالرغم من أن بيان وزارة المالية يعد حدثا هاما نرى فيه لأول مرة اهتمام الحكومة بتقديم لمحة عن مشروع الموازنة الذي كان دائما مقصورا على التداول داخل الوزارات، الا أن على الحكومة أن تتذكر حق المواطن في المعرفة ودوره كرقيب أساسي على الموازنة العامة. كما نؤكد أنه لا يمكن لنقاش مجتمعي جاد، أو آي تحليل شامل، ان يحدث على مشروع الموازنة، قبل ان تعلن الحكومة جميع البيانات المتعلقة بالانفاق العام، والايرادات العامة، وعلى رأسها تأثير الحزم التحفيزية على البنود المختلفة في الموازنة، وتفاصيل القروض التي اعتمدت عليها مصر بشكل كبير في العام الساري.

ضع تعليقا

اضغط للتغليق