يكتب : خالد على
فى حياة الشعوب، وخاصة عقب الثورات دائما ما تُعَد لحظة الإعلان عن مشروع الدستور الجديد والدعوة  للاستفتاء عليه واحدة من أبهج لحظات تلك الثورات، ولا تقل أهمية عن لحظة نجاحها فى الإطاحة بالدكتاتور الذى ثارت عليه، ولكن فى مصر جاءت لحظة إعلان الجمعية التأسيسية عن انتهائها من مشروع الدستور، ودعوة الرئيس محمد مرسى للشعب للاستفتاء عليه لحظة محزنة افتقدت للبهجة التى كانت تستحقها ليس فقط لاستحواذ فصيل الإسلام السياسى على أغلبية أعضاء الجمعية، وبالتالى توجيهه أعمالها كما يشاء، ثم انسحاب كل القوى المدنية التى قبلت فى البداية المشاركة فيها، وكذلك انسحاب كل الكنائس المصرية، وإعلانهم افتقاد الجمعية لآليات التوافق الذى يجب أن يُبنى عليه مشروع الدستور…… ولكن أيضا لعودة آلة القتل مرة أخرى، واستشهاد جابر صلاح فى تظاهرات ذكرى مذبحة محمد محمود الأولى متأثراً بإطلاق الداخلية للرصاص عليه، وتبعه استشهاد فتحى غريب بميدان التحرير متاثراً بالغاز المسيل للدموع، واستشهاد أحمد نجيب متاثراً بإطلاق الرصاص عليه، وكذلك الشهداء والضحايا والمصابين من جراء تصاعد الأحداث السياسية وما تبعها من اشتباكات فى العديد من المحافظات، وأمام قصر الاتحادية، فضلاً عما استخدمه الرئيس مرسى وجماعته من أساليب وطرق لشل القضاء الإدارى والدستورية العليا عن ممارسة مهام عملهما للفصل فى مدى دستورية وقانونية الأساس القانونى الذى تشكلت عليه الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى .
فبعد تشكيل الجمعية التأسيسية فى 12 يونيه 2012 ، ورفع دعاوى قضائية للطعن على هذا التشكيل، قام الرئيس محمد مرسى فى 11 يوليه 2012 بالتصديق على القانون 79 لسنة 2012  بمعايير اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية لإعداد مشروع دستور جديد للبلاد، وتم نشر القانون بالجريدة الرسمية بالعدد 28 (تابع) فى 12 يوليه 2012  أى بعد شهر من تشكيلها وهو ما يعد انحرافاً بالسلطة فى أوضح صوره لكونه قرار منعدم حاول فرض شرعية على إجراءات تشكيل الجمعيه بأثر رجعى مستهدفاً تحصينها من الطعن عليها، حيث نص فى المادة الأولى من هذا القانون على أن: تشكيل هذه الجمعية يعد من الأعمال البرلمانية التى تخضع لرقابة المحكمة الدستورية حول مدى دستورية القوانين؛ وبالتالى سار لزاما على مجلس الدولة إحالة القضية للمحكمة الدستورية العليا للفصل فى مدى دستورية هذه المادة، وعندما اقترب موعد جلسة الدستورية، وانسحبت القوى المدنية أصدر إعلاناً دستورياً فى 22 نوفمبر 2012 يحصن فيه جميع قراراته، وكذا القوانين التى يصدرها من إمكانية الطعن عليها أو إيقاف تنفيذها، كما يحصن الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى من حلهما، ومع تصاعد الاحتجاجات ضد الإعلان الدستورى عقدت التأسيسية اجتماعات متواصلة لمدة ثلاثة أيام وانتهت من مشروع الدستور، و قام مرسى فى 1 ديسمبر 2012 بدعوة المصريين للاستفتاء عليه يوم 15 ديسمبر2012، وفى يوم انعقاد جلسة المحكمة الدستورية بتاريخ 2 ديسمبر 2012 خرجت تظاهرات الإخوان لمحاصرة المحكمة، ومنع القضاة من دخولها، وبالفعل لم تنعقد الجلسة، وعلقت المحكمة جلساتها احتجاجاً على هذا الحصار، وفى يوم الثلاثاء الموافق 4 ديسمبر 2012 كانت محكمة القضاء الإدارى تنظر 25 طعنا على الإعلان الدستورى فقام محامو الإخوان برد كامل هيئة المحكمة لكسب الوقت، ولمنعها من نظر الطعون لحين الانتهاء من الاستفتاء على مشروع الدستور…
ورغم رفضنا القاطع لمجمل عملية صناعة هذا المشروع، ودعوتنا لمقاطعة الاستفتاء عليه، إلا أن ذلك لا ينال من ضرورة إيضاح ما ورد فيه من مبادىء وقواعد دستورية، ونخصص هذه الورقة لتبيان الموقف من النصوص التى تتعلق بالحقوق الإقتصادية والاجتماعية، ولا نقارنها فقط بما ورد من نصوص فى دستور 1971 لكن نقارنها أيضا بما كنا نطمح إليه من حقوق ترفع المعاناة الاقتصادية والاجتماعية عن المواطن المصرى وتمهد الأرض لعدالة اجتماعية حقيقية يشعر بها المواطن ولا تتحول لنصوص فارغة بلا مضمون وتضحى مجرد برواز دستورى يجمل قبح الجوهر الذى يحمله على النحو الذى ورد فى مشروع الدستور المطروح للاستفتاء عليه، وذلك على التفصيل التالى:
1-غالبية نصوص العدالة الاجتماعية جاءت إنشائية دون التزامات محددة على الدولة. كان طموح القوى الاجتماعية والسياسية هو انطلاق مشروع الدستور من ركيزة تعلن عن نهاية عصر تفويض المشرع فى الحقوق والحريات العامة، ومنها بالطبع الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وبالتالى ذكر هذه الحقوق بطريقة تفصيلية تعرف الحق، وتحدد محتواه، ومعايير إلزام الدولة به، وتمكن المواطنين من الحصول عليه، لكن الجمعية التأسيسية اتبعت المدارس القديمة فى كتابة الدساتير واكتفت بذكر المبادىء العامة والتى لا تخلو فى بعض الأحيان من إسهاب لغوي لا يلقى على الدولة التزاماً واضحاً، ولا يساعد فى خلق إطارٍ مؤسسي يمكن المواطنين من النفاذ إلى هذه الحقوق؛ فمثلا المادة 64 من مشروع الدستور جاء بها: “العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، تكفله الدولة على أساس مبادىء المساواة والعدالة وتكافوء الفرص…”. ومراجعة النص على هذا النحو توضح أنها لا تلقى على الدولة أى التزام بتوفير فرص العمل؛ لذا كانت الصيغة التى نطمح إليها فى دستور الثورة أن تكون صياغتها على النحو التالى:” العمل حق وواجب وشرف لكل مواطن، وعلى الدولة توفير فرصة عمل لكل باحث عنه وقادر عليه أو منحه معاش بطالة لحين توفير فرصة العمل التى تتناسب مع مؤهله وخبرته، على أن تراعى فى ذلك مبادىء المساواة والعدالة وتكافوء الفرص” ، ورداً على عدم ذكر هذه الحقوق بالتفصيل الذى تستحقه لكونها ترتبط بحياة الناس ذكر أعضا التأسيسية وأنصارها السياسيين أن مثل هذه الحقوق تفصل فى القانون، وهى بالطبع حجة بالية من عدة وجوه:
الوجه الأول : أن ذكر هذه الحقوق تفصيلاً فى الدستور يمنحها حماية دستورية تقيد من إمكانية خروج المشرع عليها، وبالطبع ذكرها يمنح الدستور ذاته قيمة لاستجابته لمطالب العدالة الاجتماعية.
الوجه الثانى: أن العديد من الدساتير ذكرت هذه الحقوق بالتفصيل وكان ذلك من أسباب نهضتها فدستور البرازيل يتناول حماية أجر العامل فقط فى 29 فقرة منه، وتحولت من دولة فقيرة تكاد تعلن إفلاسها إلى دولة أصبح اقتصادها من أقوى اقتصاديات العالم .
الوجه الثالث: جاء ذكر الحقوق الاقتصادية والاجتماعية فى هذا المشروع فى 16 مادة، فى حين جاء ذكر النصوص التى تتعلق بسلطات الدولة العامة فى 117 مادة لشرحها بشكل تفصيلى، وهو ما يوضح التركيز فى مشروع الدستور على النصوص التى تتناول إحكام القبضة على السلطة فى مقابل تهميش حقوق المواطنين الاقتصادية والاجتماعية قبل الدولة.
2- مشروع الدستور يسمح بتملك الأجانب للأراضى المصرية:
لم يتضمن مشروع الدستور نصاً يحظر بيع الأرضى المصرية للأجانب، فالعديد من الدول تنص فى دساتيرها على هذا الحظر لحماية أراضيها وتستعيض عن ذلك بمنح الأجانب حقوق انتفاع أو استغلال لمدد قصيرة أو متوسطة أو طويلة، ورغم ذلك فهى جاذبة للاستثمار شأن الصين ودول الخليج، وهو ما كنا نطمح له فى مشروع الدستور لحماية الأراضى المصرية، فقد اكتفى بالنص فى المادة 15 على عبارة (ينظم القانون استخدام أراضى الدولة…)،.
3- مشروع الدستور لم يضع حداً أقصى لملكية الأراضى الزراعية أو الصحراوية:
لم يتضمن مشروع الدستور نصاً يحدد الحدود القصوى لملكية الأراضى الزراعية أو الصحراوية، بالرغم من أهميته لتحقيق مطلب التوزيع العادل للثروة ، خاصة أن مشروع هذا الدستور يعد أول دستور بعد ثورة قام بها الشعب ضد نظام كان الفساد أحد مرتكزاته الرئيسة، وأبرز مظاهر الفساد كانت فى منح العديد من رجال الأعمال وشركاتهم وأصحاب الحظوة مساحات شاسعة من الأراضى، وبأثمان بخس؛ لذا كانت الحاجة القصوى لنص دستورى يضع حدوداً قصوى للملكية، إلا أن مشرع الدستور جاء خاليا من هذا النص.
4- مشروع الدستور يسهل التحايل على الحد الأدنى للمعاشات والحد الأقصى للأجور، والتهرب من تنفيذهما:
المادة 14 من مشروع الدستور تتناول الحديث عن أهداف الاقتصاد الوطنى، وهى تحاكى نص المادة 23 من دستور 1971 ، ومكونة من ثلاث فقرات :
(أ)الفقرتان الأولى والثانية من المادة 14 بهما عبارات عامة لا تحمل أى إلزام للدولة، فتنص على:” يهدف الاقتصاد الوطنى إلى تحقيق التنمية المطردة الشاملة، ورفع مستوى المعيشة…….
وتعمل خطة التنمية على إقامة العدالة الاجتماعية….”
وإن كانت الجمعية التأسيسية تسعى لضمان فاعلية هذا النص كان من الواجب أن يكون نصها _مثلاً_على النحو التالى:” تلتزم الدولة بتنظيم الاقتصاد الوطنى على نحو يُمكن المواطنين من الوصول للعدالة الاجتماعية…”؛وذلك حتى تحمل العبارات صيغ الإلزام لإجبار المشرع والمسئولين التنفيذيين على إعمالها وإنفاذها.
(ب)الفقرة الثالثة من المادة 14 من المشروع بها نواحى إيجابية ونواحى سلبية :
الإيجابية الأولى: أنها نصت على حد أدنى للأجور كما كان فى دستور 1971 لكنها أضافت عبارة “يكفل حياة كريمة لكل مواطن” وهى قيد دستورى هام يقيد المشرع عند وضع التشريع ولا يجوز له الخروج عن هذا المعيار، وبالتالى يجب أن يكون الحد الأدنى الذى يتم وضعه للأجور أو المعاشات يكفل للمواطن حياة كريمة.
السلبية الأولى: رغم أن هذه المادة وضعت لأول مرة حداً أدنى للمعاشات يكفل للمواطن حياة كريمة، وهو ما لم يكن مذكوراً بدستور 71 وهو ما يجعل ظاهرها إيجابى، إلا أن طريقة صياغة المادة جاءت قاصرة وتسهل التهرب من تنفيذ هذا الحد لأنها لم تنص على الجهة التى تتحمل تمويل الحد الأدنى للمعاشات، ولم تلزم الخزانة العامة بتمويله حال عجز النظام التأمينى عن الوفاء به، فمن المعروف أن نظام المعاشات هو نظام ممول من الأفراد وقائم على حسابات إكتوارية تتوقع الإيرادات والمصروفات، ولم يكن فى نظامنا التأمينى حد أدنى، وفى حالة عجز النظام عن الوفاء به، وعدم وجود نص صريح بتحمل الدولة الزيادة فلن نجد الجهة التى تتحمل تمويل الحد الأدنى للمعاشات، وبالتالى هذا التجاهل يساعد على التهرب من تنفيذه، وكان من الواجب النص صراحة على تحمل الخزانة العامة تمويل هذا الحد وحتى لا يلقى المشرع العبء على صناديق التأمينات.
السلبية الثانية: أن دستور 71 كان ينص على حد أقصى للأجور ولم يقصره على القطاع العام أو الخاص بل كان على الإطلاق ، ولم يكن يسمح بأى استثناء للخروج عن هذه القاعدة، لكن نص المشروع فى المادة 14 أضيفت له عبارة” وحد أقصى فى أجهزة الدولة لا يستثنى منه إلا بناء على قانون” وبالتالى تضمن هذا النص ما يساعد على التحايل عليه، وعدم الالتزام به من زاويتين:
الزاوية الأولى: قصر الحد الأقصى على أجور العاملين فى أجهزة الدولة، وهو ما يسمح بعدم التزام العديد من القطاعات الإنتاجية بالحد الأقصى شأن شركات قطاع الأعمال العام، وشركات البترول، وكل القطاعات المملكة للدولة ملكية خاصة، فهى لا ينطبق عليها مصطلح أجهزة الدولة؛ لذا كان من الأفضل أن يكون النص على النحو التالى:”حد أقصى للأجور التى تخرج من المال العام أو المملوك للدولة ملكية خاصة”.
الزاوية الثانية: أنه أتاح عدم الالتزام بهذا الحد والاستثناء منه بقانون، وهو ما سيفتح الباب رويدا رويدا للعصف بهذا الحق فكل طائفة من العمال والموظفين ترى فى ما تقوم به من أعمال أن لها طبيعه خاصة، ولا يجب ربطها بحد أقصى للأجور فهذا ما يراه العاملون فى قطاع الطيران مثلاً أو البنوك أو البترول أو أساتذة الجامعة …..وأعتقد أن من حق كل المهن أن ترى فى مهنتها فائدة كبيرة وعظيمة للمجتمع، وبالتالى سيكون لها الحق فى المطالبة برفض الحد الأقصى أسوة بمن سيتم استثنائهم شأن العاملين بالصحة، أو التعليم، والعاملين بمياه الشرب، والعاملين بمترو الأنفاق أو هيئة النقل أو قناة السويس، ورؤساء الأحياء، ورجال الجيش والشرطة، والقضاة ، وهكذا فإن فتح باب الاستثناء سيعطل فكرة وضع حد أقصى للأجور.
5-مشروع الدستور لا يوجد به حد أقصي لأجور رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وأعضاء الحكومة:
مع الاستثناء الذى أتاحته المادة 14 من مشروع الدستور فى شأن إمكانية عدم تطبيق الحد الأقصى للأجور جاء نص المادة 138 من مشروع الدستور ليحيل للقانون تحديد  المعاملة المالية لرئيس الجمهورية ، ثم نص المادة 158 من مشروع الدستور الذى يحيل  للقانون تحديد المعاملة المالية لرئيس الوزراء وأعضاء الحكومة وكلا النصين لم يتضمن إلزاما بحد أقصى للأجور ليكون الباب مفتوحا أمام المشرع ليتم استثناء أجورهم من الحد الأقصى.
ومن الجدير بالذكر إحالة المعاملة المالية لرئيس الوزراء والوزراء لينظمها القانون مستحدثة فى مشروع هذا الدستور(مادة 158)، أما المعاملة المالية لرئيس الجمهورية فإن المادة 80 من دستور71 كانت تنص على: “يحدد القانون مرتب رئيس الجمهورية، ولا يسرى تعديل المرتب أثناء مدة الرئاسة التى تقرر فيها التعديل”
ومن هذا النص يتضح أمران:
الأمر الأول: أن الحد الأقصى للأجور كان مطبق على رئيس الجمهورية لأنه لم يكن بمقدور المشرع أن يتجاوزه؛ لأن المادة 23 من دستور 71 لم تكن تسمح بأى استثناءات فى شأن تنفيذ الحد الأقصى.
الأمر الثانى: أنها فرضت قيداً بأن أى تعديل على راتب رئيس الجمهورية لا يسرى عليه أثناء مدة الرئاسة التى تقرر فيها التعديل حتى لا يستغل وظيفته ويسعى لفرض تعديلات يستفيد منها، وبالطبع تم حذف هذا القيد من مشروع الدستور المطروح للاستفتاء.
6-مشروع الدستور يقلص الرقابة البرلمانية على الثروات الطبيعية والتصرف فى أملاك الدولة:
دائما ما تستخدم عبارة ( إلا بناء على قانون ) كباب للهروب من ضمانة حماية الحق، فالمادة 18 من المشروع تتحدث عن الثروات الطبيعية ونصت على: “….ولا يجوز التصرف فى أملاك الدولة، أو منح امتياز باستغلالها، أو التزام مرفق عام إلا بناء على قانون” والأفضل أن يكون النص ” إلا بقانون”؛ الفارق بين الاثنين كبير، فبناء على قانون من الممكن أن يكون هناك قانون عام أو خاص يفوض الوزراء والمحافظين في أن يقوموا بالتصرف فى أملاك الدولة ومنح الامتيازات أو الالتزامات دون الرجوع للبرلمان، أما عبارة “بناء على قانون” فهى تضمن تشديد الرقابة البرلمانية، وأى تصرف فى أملاك الدولة يكون عبر العرض على البرلمان ويصدر بها تشريع .
7- مشروع الدستور يفتح الباب لإمكانية خصخصة نهر النيل، ومياه الرى:
المادة 19 من مشروع الدستور تتناول نهر النيل وموارد المياه، وقد تجاهلت النص على عدم جواز خصخصتهما أو بيع أيا منهما، فمن المعروف أن ندرة المياه تستدعى التعامل باعتبارها مورد استراتيجى على الدولة أن ترعاه وتتولى حمايته وتضمن انتفاع الكافة به دون النظر لقدرة المواطنين المادية، فالمياة ليست سلعة تتوافر للقادر على دفع تكلفتها، وليست محلاً للمزايدة أو المضاربة، وبالتالى كان من الواجب النص صراحةً على ذلك، وحظر بيعها أو خصخصتها أو خصخصة أى جزء منها، وبالفعل انحازت الجمعية التأسيسية إلى هذه الفكرة ونصت فى إحدى المسودات على عدم جواز خصخصة مياه النيل وموارد المياه، إلا أن المشروع النهائى عند خروجه خلى من هذه الضمانة، وهو ما قد يفتح الباب لخصخصة مياه الرى أو أيا من موارد المياه أو أى جزء من نهر النيل، ولا يجوز القول إن القانون سيمنع ذلك، فإذا كانت النية تتجه للمنع فلماذا لم ينص على المنع فى الدستور؟ ولماذا لم يتم الإبقاء على المادة كما جاءت فى المسودة التى حظرت الخصخصة؟؟؟ .
8- مشروع الدستور يكرس خصخصة شواطىء البحار، والبحيرات، والممرات المائية، والجزر، وشواطئها:
المادة 20 من المشروع تنص على: “تلتزم الدولة بحماية شواطئها وبحارها وممراتها المائية وبحيراتها، وصيانة الآثار والمحميات الطبيعية وإزالة ما يقع عليها من تعديات”؛ وهو نص قاصر لا يوفر أى حماية، ولا يلقى على المشرع أو الدولة أى التزام محدد، ولا يصحح الأوضاع الخاطئة التى فرضها النظام السابق على هذه المنافع العامة والذى قام ببيع وخصخصة العديد من الجزر والشواطى والبحيرات وتآكلت الملكية العامة بها، بل إن العديد من المبانى والإنشاءات أصبحت تحجب على المواطنين رؤية ومشاهدة مياه البحار أو الأنهار، كما تم بيع مساحات من العديد من البحيرات وبيع شواطئها أو شواطىء البحار والممرات المائية، وهناك من قام بالتعدى عليها، وردمها، وهو ما كان يستدعى توضيح النص الدستورى لمعالجة كل هذه المسالب ، وكان من الواجب أن يكون النص _مثلاً_ على النحو التالى: ” البحار والبحيرات والممرات المائية المحميات الطبيعية والجزر وشواطئها نفع عام لا يجوز بيعها ولا خصخصة أى جزء منها، وتلتزم الدولة بتمكين المواطنين من حق مشاهدتها ورؤيتها والتمتع بها، وإزالة أى تعديات تحول دون إنفاذ هذه الحقوق” .
9- مشروع الدستور يسمح بنزع ملكية المواطنين بقرارات إدارية، وبدون أحكام قضائية:
المادة 24 من المشروع كرست إمكانية نزع ملكية المواطنين للمنفعة العامة دون حكم قضائى، وأعادت تكرار نفس العيب الذى كان وارداً فى دستور 71 فى المادة 34 منه، فمن المعرف أن نزع الملكية الخاصة من الأفراد أمر جلل، ويمثل عدوانا صارخا عليها، لذا كان من الواجب ألا يكون نزع الملكية بموجب قرار فقط، بل يربطها بضرورة صدور حكم قضائى بذلك، حيث نصت المادة 24 من المشروع على: ” ولا تنزع إلا للمنفعة العامة، ومقابل تعويض عادل يدفع مقدما”
وقد أضيفت عبارة “يدفع مقدماً” عن ماورد بدستور 71 وذلك لتمرير المادة، فالعبرة ليست فى التعويض يدفع قبل نزع الملكية أم بعدها، ولكن العبرة بنزع الملكية ذاتها، وأن يكون هناك رقابة قضائية على قرارات الحكومة بنزع ملكية الأفراد، وألا يتم النزع إلا بحكم قضائى تحصل عليه الجهة الإدارية، ينص على توافر مبررات النزع للنفع العام ويحدد فيه مبلغ التعويض، ويكون للمواطن حق الطعن عليه قبل تنفيذ النزع، أم النص فى المشروع فيعنى أن من حق الحكومة أن تنزع الملكية من أى مواطن، وتدفع له التعويض وتطرده من ملكه، وبعد سيطرتها على الأرض وطرده منها يذهب للقضاء للطعن على القرار، وهو أمر لا يستقيم وقواعد العدالة، كما لا يستقيم والمنطق، ففرض الحراسة القضائية على الملكية الخاصة والواردة بذات المادة من المشروع لا تكون إلا بحكم قضائى، فإذا كان فرض الحراسة وهو إجراء تحفظى ومؤقت ولا يسلب المواطن ملكه، لا يكون إلا بحكم قضائى فكيف يكون نزع الملكية الذى يسلب المواطن ملكه بموجب قرار إدارى وبدون حكم قضائى.
10- مشروع الدستورخفض نسبة العمال فى مجالس إداراة وحدات القطاع العام من النصف إلى الربع:
كانت المادة 26 من دستور 71 تنص على: ” ويكون تمثيل العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام فى حدود خمسين فى المائة من عدد أعضاء هذه المجالس”، أما مشروع الدستور فقد نص فى مادته 27 على :” ويكون تمثيل العمال فى مجالس إدارة وحدات القطاع العام فى حدود خمسين بالمائة من عدد الأعضاء المنتخبين فى هذه المجالس”.
فنص دستور 71 يحسب نسبة العمال على أساس 50% من إجمالى أعضاء المجلس، فإذا كانت عضوية المجلس 12 عضو يكون للعمال منهم ستة أعضاء يختارهم العمال عبر انتخابات حرة لا يرشح لها أيا من قيادات الإدارة العليا أو من يتمتع بسلطة توقيع الجزاء، أما نص المشروع فإنه يحسب نسبة العمال على أساس 50% من الأعضاء المنتخبين، فإذا كانت عضوية المجلس 12 عضو، سيكون منهم 6 أعضاء بالانتخاب، نسبة العمال فيهم 50% أى 3 عمال فقط ، وسيكون ثلاثة آخرين من فئات أخرى ربما يكون منهم من له سلطة توقيع الجزاء، وسيتولى المشرع تحديدهم على فيما بعد ، وتحديد الجمعية العمومية التى ستتولى انتخابهم ، وبذلك تكون النسبة المقررة للعمال قد تم خفضها فى مشروع هذا الدستور من النصف إلى الربع.
11-مشروع الدستور يقيد الحريات النقابية والطلابية والتعاونية:
بمراجعة نصوص هذا المشروع نجد أن:
()المادة 51 من المشروع تجعل للمواطنين حق تكوين الجمعيات والمؤسسات الأهلية والأحزاب بمجرد الإخطار وهو أمر جيد ويعد حماية لحق المواطنين فى هذا الشأن، وكان من الواجب مد هذه الحماية للنقابات العمالية والتعاونيات والاتحادات، لكن جاء نص المادة 52 من مشروع الدستور وأحال للقانون تنظيم كيفية إنشاء النقابات العمالية والاتحادات والتعاونيات، ولم يلزم المشرع بأن يكون للمواطنين حق إنشائها بالإخطار كما فعل فى الأحزاب والجمعيات، ليجعل شروط إنشاء هذه المنظمات بيد البرلمان القادم.
()نص المادة 52 من هذا المشروع يسمح بحل النقابات العمالية والتعاونيات والاتحادات وحل مجالس إدارتها بحكم قضائى، وهو ما يوضح أن هذا النص جاء أسوأ من نص المادة 56 من دستور 71 والتى كانت تنظم إنشاء النقابات والاتحادات ولم تكن تسمح بحلها أو حل مجلس إداراتها.
()السماح بحل النقابات العمالية والاتحادات والتعاونيات بحكم قضائى يعنى السماح بإعدامها وزوالها من الوجود، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه لمصادرة حقوق أعضاء هذه المنظمات، فأى خطأ يُرتكَب يُحاسَب عليه مجلس الإدارة الذى اتخذ القرار، ولا يجب أن يؤدى إلى عقاب كل أعضاء التنظيم بحله وإعدامه.
()الادعاء بأنه لا حاجة للخوف لأن الحل سيكون بحكم قضائى ادعاء واهٍ، فالقضاء يحكم بما
ينص عليه القانون، وجاء نص المادة 52 من المشروع دون أن يضع أى ضوابط أو قيود على المشرع فى شأن حل النقابات العمالية والاتحادات والتعاونيات، وإنما جاء النص عاما فقد يتوسع المشرع فى حالات حل هذه المنظمات وقد يضيق منها، فالأمر صار رهنا بتوازنات القوى داخل البرلمان القادم، وهو النص الذى سيلتزم به القضاء أيا ما كان، لذا كان من الواجب حذف الفقرة التى تتيح الحل من مشروع هذا الدستور كما كان فى دستور 1971
() إذا نظرنا لنص المادة 53 من المشروع والتى تتناول النقابات المهنية نجدها تنص صراحة على عدم جواز فرض الحراسة عليها ولا تسمح إلا بحل مجالس إدارتها بحكم قضائى، وبالتالى لا تسمح بحل التنظيم كله، لذا فإن صياغة النص 52 المتعلقة بالنقابات العمالية والاتحادات والتعاونيات على هذا النحو لم تكن مصادفة، وإنما جاءت عمدية وقصدية لمحاصرة هذه المنظمات والتى تعد الجناح التنظيمى للطلاب وللطبقات الشعبية من عمال وفلاحين وصياديين وحرفيين والتى تدافع عن مصالحهم الحياتية المباشرة فى العمل والمأكل والصحة والعلاج والتعليم والمسكن، فهى تنظيمات العدالة الاجتماعية، لذا نجد صياغه النص تحيل كل شيىء ليحدده المشرع دون أن تحمى هذه التنظيمات أو أعضاءها بل وتفتح الباب أمام إمكانية العصف بها أو حل مجلس إدارتها .
12-مشروع الدستور لا يضمن الحق فى التعليم على نحو حقيقى:
تناولت المادة 58 الحديث عن الحق فى التعليم وجاء النص قاصراً لا يلبى الطموحات التى كانت معقودة لوضع نص فى الدستور يتعامل مع التعليم باعتباره محورا استراتيجيا من محاور التنمية وبناء الشخصية المصرية:
() اكتفى مشروع الدستور بالنص على عبارة ” وتخصص له نسبة كافية من الناتج القومى” دون توضيح حجم هذه النسبة، وبالتالى لا التزام حقيقى على الدولة، فأى نسبة يمكن تبريرها بأنها كافية، وكان من الواجب تحديد نسبة واضحة من الناتج القومى للإنفاق على التعليم كأن يذكر_مثلاً_”وتخصص نسبة لا تقل على 10% من الناتج القومى للإنفاق على التعليم” وبالتالى يصبح هناك التزام واضح ومحدد على الدولة عند وضع الموازنة أن تخصص هذه النسبة للتعليم.
() من أكبر الصعاب التى تواجه الشعب المصرى هو قيام كل نظام سياسيى يحكم فى مصر بالسعى إلى السيطرة والاستحواذ على كل مؤسسات الدولة لإحكام قبضته عليها، وبالتالى توجيهه كل المؤسسات بما يخدم أغراضه وأهدافه، لذا كان الطموح معقود على أن يتضمن مشروع الدستور نصوصاً تضمن حياد كل المؤسسات العامة  فالأصل فيها أن تكون فى خدمة الشعب وليس فى خدمة النظام الحاكم ، لذا كان من الواجب أن يرسى مشروع الدستور مبادىء لضمان استقلال مؤسسات التعليم العادى والجامعى، وكفاءة برامج ومناهج وسياسات التعليم التى يجب أن ينص علي قيامها على أساس حظر التمييز والاضطهاد، واحترام قيم المواطنة والمساواة والعدل والديمقراطية وتكافوء الفرص والتضامن الاجتماعى والإنسانى، وقبول التنوع الديني والفكري والثقافي والسياسي .
() خلو النص من إلزام الدولة بالتوسع فى بناء المؤسسات التعليمية العامة بكافة مستوياتها وبما يراعى توزيعها العادل جعرافيا، واستيعاب كل راغبى التعلم، فلا يكفى القول بأن كل مواطن له حق فى التعليم دون ربط ذلك بالتوسع فى بناء مؤسساته وتهيئة مناخ تعليمى وصحى .
13-مشروع الدستور لا يحمى الحق فى الصحة والعلاج:
جاء نص المادة 62 من مشروع الدستور دون ضمان حقيقى لحقوق المواطنين فى الصحة والعلاج وذلك على النحو التالى:
() خدمات الرعاية الصحية وفقا للنص فى مشروع الدستور لا تتوافر بالمجان إلا لغير القادرين، وفى القانون يقصد بغير القادر من ليس لديه فرصة عمل، ويحصل على معاش ضمان اجتماعى ، وهو ما يفيد أن غير القادر على العلاج يجب أن يثبت فقره ليتمكن من الحصول على علاج من الدولة، وبالطبع كان الطموح أن يأتى النص فى مشروع الدستور بشكل واضح على أن الصحة والعلاج ليست سلع ولكنها حقوق تلتزم الدولة بتوفيرها لكل المواطنين بصرف النظر عن قدرتهم المادية، وهو ما أهدره مشروع الدستور.
() لم يضع النص نسبة محددة من الناتج القومى للإنفاق على الصحة، واكتفى بذكر عبارة ” وتخصص له نسبة كافية من الناتج القومى” دون توضيح حجم هذه النسبة، وبالتالى لا التزام حقيقى على الدولة، فأى نسبة يمكن تبريرها بأنها كافية، وكان من الواجب تحديد نسبة واضحة من الناتج القومى للإنفاق على الصحة وتتوافق مع معايير منظمة الصحة العالمية  كأن يذكر_مثلاً_ ” وتخصص نسبة لا تقل على 15% من الناتج القومى للإنفاق على الصحة” وبالتالى يصبح هناك التزام واضح ومحدد على الدولة عند وضع الموازنة أن تخصص هذه النسبة للصحة.
14-مشروع الدستور لا يضمن الحق فى  العمل، ويتيح العمل الجبرى، ويفتح الباب للتوسع فى فصل الموظفين والعمال:
نص مشروع الدستور فى مادته 46 على حقوق العمل، واكتفى بعبارة إنشائية لا تلزم الدولة بتوفير فرص عمل للباحثين عنه أو منحهم معاش بطالة، كما تضمن:
(أ)النص يتيح فرض العمل الجبرى على المواطنين بمقتضى نص القانون الذى سيضعه البرلمان حيث جاء على النحو التالى “لا يجوز فرض أى عمل جبرا إلا بمقتضى قانون” ولم يضع النص أى قيود على المشرع لضمان أن يكون جبر المواطنين على العمل لأداء عامة، ولم يؤكد على أن هذا العمل سيكون مقابل أجر عادل، وهو ما يمثل تراجعا عن دستور 71 حيث كانت المادة 13 منه تنص على” ولا يجوز فرض أى عمل جبرا على المواطنين إلا بمقتضى قانون ولأداء خدمه عامة وبمقابل عادل”.
(ب)النص يفتح الباب أمام فصل الموظفين والعمال، فمن المعروف أن علاقات العمل فى الجهاز الإدارى للدولة تتمتع بحماية ولا يتم فصل أى موظف إلا بالطريق التأديبى، وفقا لدستور 71 فى مادته 14 ” ولا يجوز فصلهم بغير الطريق التأديبى إلا فى الأحوال التى يحددها القانون” وبالطبع إذا أصدرت المحكمة حكماً بعودة الموظف للعمل يتم تنفيذ الحكم القضائى والامتناع عن تنفيذه جريمة جنائية، على عكس عمال القطاع الخاص إذا صدر حكم بإلغاء قرار الفصل التعسفى وعودة العامل لعمله يستطيع صاحب العمل أن يمتنع عن تنفيذ الحكم القضائى فى مقابل حصول العامل على تعويض أجر شهرين عن سنة من سنوات الخدمة، وكان الطموح والمطلب العمالى هو توفير حماية حقيقية لعلاقات العمل فى القطاع الخاص والمساواة بينهم وبين الحماية المقررة لموظفى الدولة وأن يتم النص فى الدستورعلى أن “أحكام عودة العمال للعمل وإلغاء الفصل التعسفى واجبة النفاذ والامتناع عن تنقيذها جريمة جنائية تستحق العقاب”، ولكن جاء مشروع الدستور متجاهلا هذه الحماية التى كان يطالب بها العمال، ليس هذا فحسب بل قلل من الحماية المقررة لموظفى الدولة وفتح الباب أمام فصلهم بغير الطريق التأديبى وجاء مشروع الدستور فى مادته 64 وأحال تحديد حالات الفصل جميعها للقانون ، ونص علي” ولا يجوز فصل العامل إلا فى الحالات المنصوص عليها فى القانون” وأسقط ضمانة أن يكون فصل الموظفين إلا بالطريق التأديبى.
15- مشروع الدستور لم ينص على معاش للفلاح يضمن له حياة كريمة:
هللت الجمعية التأسيسية لوضعها نصاً جديداً فى الدستور تزعم فيه منحها معاشاً لصغار الفلاحين والعمال الزراعيين والعمالة غير المنتظمة وبقراءة النص نجده على النحو التالى: ” تعمل الدولة على توفير معاش مناسب لصغار الفلاحين….” وصياغة النص بهذه الطريقة تفرغه من مضمونه، فماهى قيمة هذا المعاش ولماذا أضيفت عبارة “معاش مناسب” ولم تذكر عبارة “معاش يضمن حياة كريمة” فالعبرة فى المعاش أو الأجر ليست بإقراره فقط ولكن بقيمته بأن يكون ما يتم منحه من معاش يكفى الفلاح أو العامل ليعيش حياة كريمة، فالعبرة ليست بعدد الجنيهات ولكن بقوتها الشرائية، وبما تضمنه من سلع خدمات تساعده على العيش بكرامة، فكلمة مناسب تعنى أن أى مبلغ تقره الدولة كمعاش يصبح مناسبا وفقا لإمكانياتها، أما قوله يضمن حياة كريمة تعنى أن على الدولة الالتزام بأن يكون المبلغ الذى تحدده يحقق هذه الحياة الكريمة وفقا لأسعار السلع وإن أقرت مبلغاً أقل من ذلك يمكن مقاضاتها وإلزامها بزيادته.
16- مشروع الدستور لا يضمن الحق فى السكن الملائم، والطاقة المدعومة، والماء النظيف، والغذاء الصحى:
حيث جاء نص المادة 68 من مشروع الدستور”المسكن الملائم والماء النظيف والغذاء الصحى حقوق مكفولة.
وتتبنى الدولة خطة وطنية للإسكان ….”
الملاحظ فى النص إسقاطه وتجاهله لحق المواطنين فى الطاقة المدعومة للاستعمال المنزلى وهو ما يفتح الباب لاستمرار انسحاب الدولة من تقديمها للخدمة ودعمها حتى تصل بها لسعرها فى السوق، أما المسكن والمياه والغذاء لم يذكر أنها مدعومة واكتفى بالقول بأنهاحقوق ولكن تجاهل ما هى الالتزامات الواقعة على الدولة لتمكين المواطنين منها، وتحول النص إلى مجرد اعتراف بالحق يفتقد معايير نفاذ المواطنين إليه.
17-مشروع الدستور يتيح عمالة الأطفال:
المادة 70 من مشروع الدستور تذهب إلى” يحظر تشغيل الطفل، قبل تجاوزه سن الإلزام التعليمى، فى أعمال لا تناسب عمره، أو تمنع استمراره فى التعليم”
وجاءت صياغة المادة تتصدرها عبارة يحظر تشغيل الطفل للإيحاء بمنع عمالة الأطفال، إلا أنه عاد وربطها بأن الحظر يكون خلال مرحلة التعليم الإلزامى فقط، ومن المعروف أن هذه المرحلة تنتهى عند سن 15 سنة، ومن المستقر قانونا أن الطفل هو كل من تجاوز 18 سنة ، وهو ما يفيد أن الدستور يسمح بعمالة الأطفال قبل انتهاء مرحلة الطفولة بثلاث سنوات، وكان الطموح هو أن ترعى الدولة ليس فقط كل الأطفال فى هذه المرحلة العمرية، ولكن ترعى كذلك كل الأسر التى تضطر لتشغيل أطفالها لضيق أحوال المعيشة، وأن ُيلزم الدستور الدولة بتحمل مسئوليتها فى هذا المجال، لكن جاء مشروع الدستور ليفتح الباب لعمالة الأطفال فى هذه السن، وهو ما سيؤثر حتما على استكمال تعليمهم، فكيف يوازن طفل بين العمل وتحصيل الدراسة والانتظام فيها.
18- مشروع الدستور ينشىء مجلسا اقتصاديا واجتماعيا ورقيا:
هلل أعضاء التأسيسية باستحداث المادة 207 والتى تنشىء مجلسا اقتصاديا واجتماعيا وكأنه حدث عظيم سيحسن من أحوال الناس الاقتصادية والاجتماعية ، لكن بمطالعة هذا النص نجد أنه مجرد كيان استشارى يستطلع رأى المجلس، وبالتالى فإن رأيه مجرد رأى استشارى يمكن الأخذ به ويمكن تجاهله وكان من الأوْلي النص على أن يقوم هذا المجلس بوضع كل الاستراتيجيات التى تتعلق بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية وأن يكون الهيئة العليا لكل ما يتعلق بشئون العدالة الاجتماعية، كما فعل فى المادة 212 من مشروع الدستور بشأن إنشاء الهيئة العليا لشئون الوقف ونص على أنها تنظم كل مؤسساته العامة والخاصة وتشرف عليها وتراقبها وتضمن التزامها بأنماط أداء إدارية واقتصادية.
19-مشروع الدستور يتيح محاكمة عمال الإنتاج الحربى والعاملين المدنيين بالقوات المسلحة أمام القضاء العسكرى:
نصت المادة 198 من مشروع الدستور على:”ولا يجوز محاكمة مدنى أمام القضاء العسكرى إلا فى الجرائم التى تضر بالقوات المسلحة ويحدد القانون هذه الجرائم..” وبالطبع تثير قضية محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكرى الكثير من الشجون والألم نظرا للمعاناة والقمع والقهر الذى شهده الثوار أمامها، ولكن من قبل الثورة ومطالب أن تكون محاكمات العاملين المدنيين فى القوات المسلحة والعاملين فى مصانع الإنتاج الحربى أمام القضاء العادى باعتباره القاضى الطبيعى فى علاقات العمل، وكان الطموح أن ينص صراحة أن كل قضايا العمال فى هذا الشأن لا تنظر إلا أمام القضاء العادى، لكن جاء الدستور ونص صراحة على أن كل الجرائم التى تتعلق بالقوات المسلحة تنظر أمام القضاء العسكرى وأحال للقانون تحديد هذه الجرائم وكان الطموح أن تكون هناك ضمانة دستورية تحمى هؤلاء العمال أمام جهة عملهم وتضمن لهم محاكمات عادلة ومنصفة ويكفل لهم فيها كامل حقوق الدفاع إلا، أن الدستور أحال الامر للقانون على عكس مطالب العمال؛ فمثلا إضراب عمال الإنتاج الحربى أو قيامهم بإنشاء نقابة عمالية، أو إذا حدث تلف لأي منتج رغما عن إرادة العامل، يمكن اعتبار ذلك جريمة تتعلق بالقوات المسلحة وتكون المحاكمة بشأنها أمام القضاء العسكرى.
20 -مشروع الدستور يتيح الحصول على قروض خارجية والارتباط بالتزامات مالية دون مناقشة مجتمعية:
(1) المادة 120 من مشروع الدستور تتيح للسلطة التنفيذية الاقتراض، أو الحصول على تمويل، أو الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة إلا بعد موافقة مجلس النواب” وهو ما يعصف بمطالب الإفصاح العام عن شروط أى قرض أو أى التزامات مالية على الدولة ، وضرورة فتح نقاش مجتمعى حولها قبل موافقة السلطة التنفيذية أو البرلمان خاصة أن الشعب هو الذى سيتحمل تكلفة هذه الديون أو الالتزامات، وكان من الأفضل أن يكون النص على النحو التالى:” لا يجوز توقيع أى  اتفاقيات  تجارية  أو استثمارية أو اتفاقيات الحصول على القروض أو المنح أو الارتباط بمشروع يترتب عليه إنفاق مبالغ من الخزانة العامة للدولة لمدة مقبلة إلا بعد الإفصاح عن كامل شروطها للرأى العام و مناقشتها مع  منظمات المجتمع المدنى وموافقة مجلس النواب عليها” .

تعليقات

اضغط للتغليق